
اشتهاء العمارة.. نحو نظرية للإباحية المعمارية
خط ٣٠
ثمة سؤال ظل يرافقني طوال السنوات الأخيرة، كلما ازداد اتساع الخراب في المدن العربية: كيف أصبحنا نقرأ العمارة والعمران في هذا الجزء من العالم؟ لا ينبع هذا السؤال من اهتمام بتاريخ العمارة أو بنظرياتها، بقدر ما ينبع من شعور متزايد بأننا نعيش لحظة تاريخية لم تعد الأدوات المفاهيمية التي ورثناها كافية لفهمها. فمنذ ما يزيد على عقد، لم تعد المدن العربية تتحول وفق الإيقاع الذي عرفته دراسات الحداثة، أو التنمية، أو التخطيط الحضري، بل أصبحت تتحرك داخل زمن آخر، تتداخل فيه الحرب، وإعادة الإعمار، والنيوليبرالية، والاستعمار، والعسكرة، والتكنولوجيا، ورأس المال، بحيث يصعب الفصل بين ما هو عمراني وما هو سياسي، أو بين ما هو مادي وما هو رمزي.
ليس المقصود بذلك أن العالم العربي أصبح أكثر عنفاً من ذي قبل، فالعنف جزء من تاريخه الحديث، كما هو جزء من تاريخ الدولة الحديثة عموماً. ومنذ عام 2013، لم تعد العمارة والعمران في المدينة العربية نفسها مجرد مسرح يُمارَس عليه العنف، بل أصبحت أحد موضوعاته الأساسية. فالقاهرة التي يُعاد تشكيل نسيجها العمراني تحت شعارات التطوير، وبيروت التي لا تزال تتأرجح بين الإعمار الطائفي والدمار الإسرائيلي، ودمشق التي تُعاد صياغة عمرانها بعد الحرب بأدبيات طائفية، ومدن الخليج التي تُبنى بوصفها صوراً مستقبليةً لرأس المال، وغزة التي تتعرض لواحدة من أكثر عمليات الإبادة العمرانية كثافة في التاريخ المعاصر؛ لا تمثل مسارات منفصلة، بل تكشف عن تحول واحد يتمثل في انتقال العمارة من كونها إطاراً للحياة إلى كونها مادة للصراع ذاته. لم يعد النزاع يدور داخل المدينة فقط، بل أصبح يدور على المدينة، ومن خلالها، وعبرها.
وقد يدفع هذا المشهد إلى الاعتقاد بأن ما نشهده ليس سوى تصاعد في استخدام العمارة بوصفها أداةً للسلطة، أو امتداداً للعلاقة التقليدية بين الدولة والفضاء. غير أن مثل هذا الفهم، على أهميته، يظل قاصراً عن تفسير ما يحدث. فما يتكثف أمامنا ليس مجرد إعادة تنظيم للمجال العمراني، بل إعادة تعريف لموضوع العمارة نفسه. لم يعد المبنى يُختزل في وظيفته، ولا في رمزيته، ولا حتى في موقعه داخل منظومة الإنتاج العمراني، بل أصبح يدخل في اقتصاد جديد تُستثمر فيه قيمته بوصفه شيئاً يُشتهى، ويُمتلك، ويُعرض، ويُراقب، ويُستهدف، ويُمحى. إن السؤال لم يعد كيف تُنتج العمارة السلطة، بل كيف أصبحت العمارة نفسها موضوعاً للاستثمار الشبقي والسياسي في آن واحد.
وهنا يصبح من الضروري توضيح المقصود بـ«الاشتهاء». لا تُستخدم هذه الكلمة هنا بوصفها استعارةً أدبيةً، ولا بوصفها إحالةً إلى الرغبة الجنسية بمعناها الضيق، وإنما بوصفها توصيفاً لنمط من الاستثمار الليبيدي (اسم مشتق من اللفظ اللاتيني Libet ويطلق على الرغبة، لا سيما الرغبة الجنسية. واستخدم سيغموند فرويد هذا اللفظ للحديث عن الغريزة الجنسية) في العمارة. فالمبنى لم يعد يُقيَّم فقط بما يؤديه من وظيفة، أو بما يحمله من قيمة تاريخية أو اقتصادية، بل أيضاً بقدرته على أن يصبح موضوعاً للرغبة: رغبة البناء، ورغبة الامتلاك، ورغبة السيطرة، ورغبة العرض، ورغبة الاختراق، ورغبة المحو. وما يبدو، للوهلة الأولى، أفعالاً متعارضة —البناء والهدم، الإعمار والإبادة— ينتمي، في كثير من الأحيان، إلى الاقتصاد نفسه؛ اقتصاد لا يُعاد فيه تشكيل المكان فحسب، بل الأجساد التي يحق لها أن توجد داخله أيضاً، والأجساد التي ينبغي إقصاؤها عنه، وهو ما تكثّفه الشهوة الجنسية.
ومن هنا تنطلق الفرضية الأولى لهذه المقالة: لا توجد رغبة سياسية خارج الجسد. فكل سلطة، مهما اختلفت أشكالها، تعمل على أجساد بعينها؛ تنظم حركتها، وتحدد إمكانات وجودها، وتوزعها داخل المكان، أو تمنعها منه، أو تقتلعها، أو تفنيها، وتتحكم بحقها في الموت أو الحياة. وإذا كانت العمارة هي التنظيم الأكثر دواماً للعلاقة بين الجسد والعالم، فإنها لا تمثل مجرد بنية مادية أو خلفية للحياة الاجتماعية، بل تمثل الامتداد الأكثر كثافةً للجسد السياسي نفسه. ليست المدينة مجرد تجمع للمباني، كما أن المبنى ليس مجرد كتلة من الخرسانة أو الحجر؛ فكلاهما يتشكل من الإيقاعات اليومية للأجساد التي تسكن، وتعبر، وتتذكر، وتقاوم، وتعيد إنتاج المكان باستمرار. ولذلك فإن الاعتداء على العمارة لا يمكن فصله عن الاعتداء على الجسد، كما أن إعادة بناء المدينة لا يمكن أن تُفهم بمعزل عن إعادة تشكيل الحياة التي تجعلها مدينةً أصلاً، ولو نظرنا إلى سيرورات الأجساد في مدننا العربية، لوجدنا تماهياً بيّناً في تلك الموازاة.
ولاختيار عام 2013 دلالته بوصفه لحظةً تراكبت فيها تحولات سياسية وعمرانية أعادت تعريف العلاقة بين الجسد والمكان والسلطة؛ فمنذ الانقلاب في مصر ومجزرة رابعة، وتحول الحرب السورية إلى سياسة ممنهجة للحصار والتهجير وإعادة هندسة المجال السكاني، وتسارع التوسع الاستيطاني في فلسطين، بدأت المدينة العربية تُدار بوصفها أداة لإعادة هندسة السكان أكثر من كونها فضاء لاحتضانهم. وفي العقد الذي تلا ذلك، ترافقت هذه التحولات مع إطلاق مشاريع عمرانية عملاقة، مثل العاصمة الإدارية الجديدة في مصر ونيوم في السعودية، بحيث لم تعد العمارة تُستخدم لتجسيد سيادة الدولة أو استقطاب الاستثمار فحسب، بل لإعادة تعريف من يملك المكان والجسد، وله حق الظهور والبقاء، ومن يصبح وجوده فائضاً عن الحاجة. وهكذا غدا المجال العمراني، وفي قلبه الجسد بوصفه بؤرة له، نقطة التقاء الحروب وإعادة الإعمار والاستعمار الاستيطاني والرأسمال العقاري ضمن منطق واحد يعيد إنتاج السلطة من خلال الفضاء نفسه.
ولهذا، لا تنطلق هذه المقالة من المبنى بوصفه موضوعاً للرؤية، ولا من المدينة بوصفها موضوعاً للتخطيط، فهذه عتبات أكاديمية أو حتى معرفية تطمس بقدر ما تكشف، بل من العلاقة التي تجعل العمارة والجسد وجهين لعملية سياسية واحدة. وما لم نبدأ من هذه العلاقة، فإن الحرب ستبدو حدثاً خارجياً يقتحم المدينة، بينما تكشف التجربة العربية أن المدينة نفسها أصبحت، في كثير من الأحيان، إحدى لغات الحرب، كما أصبحت العمارة إحدى المواد التي يُصاغ بها العنف، وتُمارس عبرها السلطة، وتُعاد من خلالها كتابة حدود الحياة الممكنة، ومعاني عواطفنا ومواقعنا منها، ولعل أهمها الرغبة والاشتهاء.
إذا كانت العمارة هي التعبير الأكثر استقراراً وماديةً للجسد داخل العالم، فإنها ليست امتداداً صامتاً. فهي لا تكتفي بتنظيم الحركة، أو توزيع الأجساد داخل الفضاء، وإنما تُنتج أيضاً الطريقة التي يُرى بها ذلك الجسد، والطريقة التي يرى بها نفسه والآخرين. ولهذا فإن العلاقة بين العمارة والجسد لا تُختزل في القرب المادي أو الاحتواء أو الوظيفة، بل تشمل أيضاً أنظمة الرؤية التي تمنح الجسد حضوره، أو تحجبه، وتحدد ما يجوز ظهوره، وما ينبغي إخفاؤه، وما يصبح قابلاً للمراقبة، أو للتداول، أو للاستهداف. ومن ثم، فإن إعادة تشكيل العمارة هي، في أحد مستوياتها، إعادة تشكيل لاقتصاد الرؤية الذي تنتظم داخله الحياة الاجتماعية.
وقد التقط غي ديبور هذا التحول حين عرَّف «الفرجة» لا بوصفها تراكماً للصور، وإنما بوصفها علاقةً اجتماعيةً تتوسطها الصور¹. فالمشهد، بهذا المعنى، ليس إضافةً إلى الواقع، بل أحد أشكال إنتاجه. ولم تعد الأشياء تكتسب قيمتها من حضورها المادي، وإنما من قابليتها للظهور، والتداول، وإعادة الإنتاج داخل الاقتصاد البصري للرأسمالية.
ولم تكن العمارة بمنأى عن هذا التحول. فمنذ العقود الأخيرة من القرن العشرين، لم يعد المبنى يُنتج بوصفه مكاناً يُسكن أو يُستعمل فحسب، بل بوصفه صورةً تُلتقط، وعلامةً تُستهلك، وأيقونةً تُتداول عالمياً. أصبحت الواجهة تسبق الفضاء، وأصبحت الصورة تسبق التجربة. ولم تعد قيمة كثير من المشاريع العمرانية الكبرى تُقاس بعلاقتها بالمدينة التي تنتمي إليها، أو بالمجتمع الذي يستخدمها، بل بقدرتها على إنتاج مشهد يجذب النظر، ويستقطب رأس المال، ويعيد إنتاج نفسه داخل الإعلام والمنصات الرقمية. ولعل جزءاً مهماً من مشاريع التحول العمراني في الخليج، ومن العاصمة الإدارية الجديدة في مصر، أو حتى من إعادة إنتاج وسط بيروت، لا يمكن فهمه خارج هذا الاقتصاد العالمي للظهور، حيث تغدو المدينة نفسها واجهةً قابلةً للتداول أكثر من كونها فضاءً للعيش.
إلا أن اختزال هذا التحول في منطق الصورة وحده يظل غير كافٍ، لأن الصورة لا تعمل في الفراغ. فهي لا تكتسب فاعليتها إلا عندما تلتصق بالأجساد، وتعيد توجيه انفعالاتها، وتوزع مخاوفها، ورغباتها، وإحساسها بالانتماء أو الإقصاء. ومن هنا تصبح مساهمة الكاتبة والباحثة سارة أحمد حاسمةً في شأن تحليل العاطفة؛ إذ تنقل التحليل من السؤال عما تُمثله الصورة، إلى السؤال عما تفعله بنا. فالعاطفة، في تصورها، ليست انفعالاً داخلياً، وإنما حركة اجتماعية تنتقل بين الأجساد، وتلتصق بالأماكن، وتُنتج الحدود بين الجماعات². ولا يعود الخوف، أو الحنين، أو الفخر، أو الكراهية، مجرد مشاعر، بل تتحول إلى قوة مادية تعيد تنظيم المجال العمراني نفسه.
وتكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة في العالم العربي، حيث يصعب الفصل بين المكان وما يختزنه من اقتصاد عاطفي. فالمدينة ليست مجرد بنية تحتية، وإنما مستودع للذاكرة، والفقد، والمنفى، والنجاة، والرعب، والانتماء. ولهذا فإن استهداف حي تاريخي، أو جامعة، أو مستشفى، أو مسجد، أو سوق، لا يؤدي فقط إلى إزالة مبانٍ من المشهد العمراني، بل يعيد توزيع الاقتصاد العاطفي الذي كان يمنح ذلك المكان معناه الاجتماعي. إن تدمير المدينة لا يزيل الحجر وحده، وإنما يعيد تشكيل إمكانات التذكر، والحِداد، والعودة، والأمل، بالنسبة إلى الأجساد التي كانت تتشكل داخلها.
ومع ذلك، فإن الصورة والعاطفة، على أهميتهما، لا تفسران بمفردهما ما يتكثف في العمارة العربية خلال العقد الأخير. فما يبدو في القاهرة، أو غزة، أو بيروت، أو دمشق، لا يتمثل فقط في إنتاج مشاهد جديدة، أو في إعادة توزيع الانفعالات الجمعية، وإنما في انتقال العمارة نفسها إلى وضع تصبح فيه موضوعاً للاشتهاء. ليست المدينة هنا موضوعاً للرؤية فقط، ولا موضوعاً للعاطفة فقط، بل موضوعاً لاستثمار ليبيدي كثيف، تصبح فيه عملية البناء، بقدر ما تصبح عملية المحو، فعلاً يرمي إلى إعادة إنتاج الجسد الذي يُسمح له بالوجود داخل المكان، والجسد الذي ينبغي إقصاؤه منه، بالمعنى الشهواني والجنسي للكلمة.
ومن هنا، يصبح السؤال الذي يواجه هذه المقالة مختلفاً عن السؤال الذي انطلقت منه معظم الأدبيات النقدية حول العمارة. فالقضية ليست كيف تنتج العمارة الصورة، أو كيف تعيد إنتاج العاطفة، وإنما كيف تتحول العمارة نفسها إلى موضوع للشهوة؛ شهوة لا تنفصل عن السلطة، ولا عن رأس المال، ولا عن الاستعمار، لأنها تعمل جميعاً من خلال الجسد، وعليه، وضده. وعند هذه النقطة تحديداً، يصبح من الممكن الانتقال إلى مفهوم آخر سيشكل محور هذه المقالة: ليس «مجتمع الفرجة»، بل ما يسميه آلان باديو العصر الإباحي، بوصفه الاسم الذي يصف اللحظة التي لا يعود فيها الظهور مجرد وسيلة، بل يصبح القيمة العليا التي يُعاد على أساسها تنظيم العالم.
عندما لم تعد الوظيفة تكفي
منذ نشأة النظرية المعمارية الكلاسيكية، ارتبط التفكير في العمارة بفكرة الوظيفة، حتى عندما اختلفت تعريفات هذه الوظيفة عبر العصور. فقد رأى فيتروفيوس (80 ق.م-15 ق.م) أن العمارة تحقق توازناً بين المتانة (firmitas)، والمنفعة (utilitas)، والجمال (venustas)، وكان هذا هو الإطار العام لمعظم التفكير المعماري اللاحق³. وحتى عندما أعادت الحداثة تعريف العمارة في القرن العشرين، لم تغادر هذا الأفق، بل أعادت صياغته. فالوظيفة لم تعد مجرد استعمال للمبنى، وإنما أصبحت تعبيراً عن العقلانية، والإنتاج الصناعي، والتنظيم الاجتماعي، والدولة الحديثة. ولم يكن شعار المعماري لويس سوليفان (1856-1924)، «الشكل يتبع الوظيفة»، مجرد قاعدة تصميمية، بل إعلاناً عن تصور كامل يرى أن القيمة المعمارية تُشتق من قدرتها على الاستجابة لحاجات المجتمع الحديث⁴.
ومع صعود النظرية النقدية، بدا وكأن مركز الثقل قد انتقل من الوظيفة إلى السلطة. فلم يعد المبنى يُقرأ بوصفه استجابة تقنية لمتطلبات الاستخدام، بل باعتباره أحد الأجهزة التي تنتج العلاقات الاجتماعية، وتعيد تنظيم المجال، وتوزع الأجساد داخله. وقد مثلت أعمال هنري لوفيفر (1901-1991) وميشيل فوكو (1926-1984) تحولاً حاسماً في هذا الاتجاه؛ إذ لم يعد الفضاء مجرد وعاء محايد للأفعال الاجتماعية، وإنما أصبح منتجاً لها، كما لم تعد العمارة مجرد انعكاس للسلطة، بل إحدى تقنياتها المادية⁵. ومع ذلك، وبالرغم من هذا التحول الجذري، بقي افتراض أساسي دون مساءلة: أن المبنى، في نهاية المطاف، يؤدي وظيفة، سواء كانت وظيفة استعمالية، أو اجتماعية، أو سياسية، أو انضباطية. لكن التجربة العمرانية العربية خلال العقد الأخير تضع هذا الافتراض موضع شك. فما الذي يمكن أن تفسره فكرة الوظيفة في مدينة تُمحى أحياؤها التاريخية لتُستبدل بمشهد عمراني جديد؟ أو في جامعة تحاصَر وتقتحمها قوى الأمن لأنها تمثل إمكاناً لمعرفة مغايرة؟ أو في مستشفى يصبح هدفاً عسكرياً؟ أو في مشروع عمراني عملاق تُستثمر فيه مليارات الدولارات معروف مسبقاً مَن سيسكنه؟ في مثل هذه الحالات، لا يبدو أن الوظيفة، مهما اتسع تعريفها، قادرة على تفسير القيمة التي تُنسب إلى المبنى، ولا الأسباب التي تجعله يُبنى أو يُزال.
ليس المقصود بذلك أن الوظيفة اختفت، أو أن المباني لم تعد تُستخدم، وإنما أن الوظيفة لم تعد المصدر الوحيد، وربما لم تعد المصدر الرئيس، للقيمة المعمارية. لقد دخلت العمارة في اقتصاد آخر، تتحدد فيه قيمة المبنى بقدرته على أن يصبح موضوعاً للرغبة الموجهة، وأن يجذب الاستثمار، وأن ينتج الهيبة، وأن يختزل السيادة، وأن يستدعي الخوف، وأن يغري بالتملك أو بالاستحواذ أو بالمحو. وفي هذا الاقتصاد، لا يكون المبنى مجرد أداة تؤدي غرضاً، بل يتحول إلى كيان يُستثمر فيه قدر هائل من الطاقة الليبيدية، بحيث يغدو البناء والهدم فعلَين متكاملَين داخل المنطق نفسه، لا نقيضَين متعارضَين.
لقد دخلت العمارة في اقتصاد آخر، تتحدد فيه قيمة المبنى بقدرته على أن يصبح موضوعاً للرغبة الموجهة، وأن يجذب الاستثمار، وأن ينتج الهيبة، وأن يختزل السيادة، وأن يستدعي الخوف، وأن يغري بالتملك أو بالاستحواذ أو بالمحو.
ويظهر هذا التحول بوضوح في عدد من التجارب العربية المعاصرة. فالعاصمة الإدارية الجديدة في مصر لا تُقدَّم بوصفها استجابةً مباشرةً لأزمة عمرانية، بقدر ما تُعرَض بوصفها صورة لدولة جديدة، ولشكل جديد من السيادة والتنمية والهيمنة. إذ يقول الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي: «خروج الدولة من العاصمة القديمة كان ضرورياً حتى لا يتكرر ما حدث سابقاً من تهديد وحصار لمؤسساتها أثناء الأحداث بين 2011 و2013». كما لا يمكن فهم مشروع نيوم بوصفه مدينة مستقبلية واعدة فحسب، بل بوصفه إنتاجاً لرغبة متجسدة في المستقبل ذاته، حيث تتحول العمارة إلى وعد، وإلى علامة تجارية، وإلى استثمار في الخيال قبل أن تصبح مكاناً للسكن (بافتراض أنه كذلك!). وعلى الطرف الآخر من المشهد، لا يمكن قراءة التدمير المنهجي لأحياء غزة، أو حلب، أو أجزاء من الخرطوم، بوصفه إزالة لبنية تحتية فقط، لأن ما يُستهدف هو إمكان استمرار شكل معين من الاجتماع، والذاكرة، والانتماء، وكل هذا يخاض جسدانياً. وفي الحالتَين معاً، البناء والهدم، تتجاوز العمارة حدود الوظيفة لتصبح موضوعاً يُعاد عبره إنتاج الرغبة السياسية، والاقتصادية، والاستعمارية، في الهيمنة.
من هنا، لا تنطلق هذه المقالة من افتراض أن العمارة فقدت وظيفتها، بل من فرضية مختلفة: أن الوظيفة لم تعد كافية لفهم ما يحدث للعمارة، ولا ما تفعله العمارة بأجسادنا وبالعالم. فما يتطلبه السياق العربي الراهن ليس توسيع مفهوم الوظيفة، وإنما استبدال نقطة الانطلاق نفسها. فبدلاً من سؤال: ماذا يفعل المبنى؟ يصبح السؤال: لماذا يُشتهى المبنى؟ وما الذي يجعل بناءه، أو امتلاكه، أو عرضه، أو تدميره، فعلاً يستثمر هذا القدر من الرغبة؟ إن هذا الانتقال من الوظيفة إلى الاشتهاء لا يمثل تغييراً في موضوع الدراسة فحسب، بل يمثل انتقالاً من اقتصاد الاستعمال إلى اقتصاد الرغبة، ومن قراءة العمارة بوصفها أداة إلى قراءتها بوصفها موضوعاً للاستثمار الليبيدي.
ما يقودنا إلى سؤال أكثر جذرية: إذا كانت العمارة تُشتهى، فهل يُشتهى المبنى بوصفه شيئاً، أم بوصفه امتداداً للجسد الذي يسكنه ويُنتجه ويتذكره؟ هنا تحديداً يصبح الجسد، لا الوظيفة، نقطة البداية.

خطــ٣٠ // تنشر وفق الحقوق المفتوحة Copyleft
العمارة بوصفها امتداداً للجسد
لا يمكن الإجابة عن السؤال أعلاه بالعودة إلى خصائص المبنى ذاته، ولا إلى قيمته الاقتصادية أو الجمالية وحدها، لأن ما يُستثمر في العمارة يتجاوز المادة التي تتكون منها. إن ما يُشتهى في العمارة هو ما تمثله من إمكانية لتشكيل الحياة، ولتنظيم الأجساد، ولإعادة إنتاج العالم الاجتماعي ورموزه التي تتماهى معها الأجساد في المكان والفضاء. ومن هنا، فإن العمارة لا تُفهم بوصفها شيئاً مستقلاً عن الجسد، بل بوصفها امتداده الأكثر ديمومة، والأكثر قابلية للتراكم، والأكثر قدرة على البقاء بعد زوال الأفراد أنفسهم. (أليس هذا حاضراً في منطق هدم نظام صدام حسين مباني من تصميم رفعة الجادرجي (1926-2020) في العراق كمحاولة للانتقام الشخصي منه!).
لا يشير الجسد هنا إلى الكيان البيولوجي للفرد، ولا إلى استعارة إنسانية تُضفى على المباني، وإنما إلى الموقع الذي تتجسد فيه السلطة، والرغبة، والذاكرة، والحركة. فمنذ الفيلسوف موريس ميرلو-بونتي (1908-1961)، لم يعد الجسد يُفهم بوصفه شيئاً يوجد داخل العالم، بل بوصفه الوسيط الذي يُدرَك العالم من خلاله⁶. ولم يعد المكان إطاراً خارجياً يحتوي الجسد، بل أصبح يتشكل معه وفيه. وما تضيفه أعمال هنري لوفيفر (1901-1991)، ثم جيل دولوز (1925-1995)، وفيليكس غواتاري (1930-1992)، هو أن هذا الجسد لا ينتج المكان فحسب، بل يُنتَج هو نفسه داخل العلاقات المكانية التي يسكنها⁷. ومن ثم، فإن العمارة لا تنظم الحركة فقط، وإنما تشارك في إنتاج الكيفية التي يصبح بها الجسد ممكناً سياسياً واجتماعياً.
يكتسب هذا التصور أهمية خاصة في المدن العربية، حيث يصعب الفصل بين العمارة وسيرورة الجسد اليومية. فالمخيم الفلسطيني ليس مجرد ترتيب للملاجئ، كما أن الحاجز العسكري ليس مجرد عنصر للبنية التحتية، والحي التاريخي ليس مجرد نسيج عمراني. كل واحد من هذه الفضاءات يعيد تشكيل إيقاع الحركة، وإمكانات اللقاء، وحدود الخوف، وطرق الذاكرة، والعلاقات بين الأجساد. ولهذا فإن إعادة تخطيط المدينة ليست إعادة توزيع للشوارع والمباني فقط، وإنما إعادة كتابة لطرق السير، ولأشكال الاجتماع، وللزمن الذي تعيشه الأجساد داخل المكان.
وتكشف التجارب العربية منذ عام 2013 عن تكثّف غير مسبوق لهذه العلاقة. فلم يعد استهداف المستشفيات، أو الجامعات، أو دور العبادة، أو الأسواق التاريخية، أو الأحياء السكنية، يهدف إلى إزالة منشآت مادية فقط، وإنما إلى تفكيك البنية التي تجعل الجسد قادراً على الحياة المشتركة فيها، وهي تلك البنية التي تمنح الجسد الطمأنينة للحب والجماع والاستمرار وقص الحكايات وبناء الذاكرة المجسدنة ورموزها. وعندما تُستهدف هذه المباني، فإن ما يُهاجَم ليس الحجر، بل الإمكان الاجتماعي الذي يجسده.
وهنا يصبح من الممكن فهم سبب عجز مفهوم «الوظيفة» عن تفسير ما يجري. إن القيمة التي تجعل هذه المباني موضوعاً للبناء أو للهدم لا تكمن في استعمالها المباشر، وإنما في كونها امتدادات مادية لأجساد فردية وجماعية، ولأنماط حياة يراد تثبيتها أو إلغاؤها. ومن ثم، فإن الاعتداء على العمارة ليس اعتداءً على الأشياء فقط، بل على العلاقة التي تربط الجسد بالعالم.
ومن هذه الزاوية، لا يصبح البناء نقيضاً للهدم، كما لا تصبح إعادة الإعمار نقيضاً للإبادة. ففي الحالتَين، يجري التدخل في العلاقة نفسها بين الجسد والمكان. فبناء العاصمة الإدارية الجديدة، أو مدينة نيوم، أو إعادة تشكيل وسط بيروت، ينتمي إلى المنطق ذاته الذي تنتمي إليه عمليات المحو العمراني في غزة أو أجزاء من سوريا، وإن اختلفت أدواته وأهدافه السياسية. ففي جميع هذه الحالات، تغدو العمارة أحد أكثر الوسائط كثافة في إعادة إنتاج الجسد المادي بالمعنى السياسي له.
غير أن هذا يقود إلى سؤال آخر أكثر تعقيداً: إذا كانت العمارة امتداداً للجسد، فلماذا تتحول هي نفسها إلى موضوع للرغبة؟ ولماذا تستثمر السلطة، ورأس المال، والاستعمار، كل هذا القدر من الطاقة في إنتاجها، أو عرضها، أو تدميرها؟ لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال انطلاقاً من مفهوم الجسد وحده، لأن الجسد نفسه لا يعمل خارج اقتصاد الرغبة. ومن هنا، يصبح من الضروري الانتقال إلى تحليل الرغبة، لا بوصفها حالة نفسية، بل بوصفها قوة اجتماعية وسياسية تُنتج العمارة بما هي موضوع للاشتهاء.
من الجسد إلى الاشتهاء
بما أن افتراضنا يقول إن العمارة هي امتداد للجسد، فإن السؤال الذي يفرض نفسه لا يتعلق بكيفية تنظيمها للأجساد فحسب، وإنما بالكيفية التي تصبح بها هي نفسها موضوعاً للاشتهاء. ومفهوم الاشتهاء، في هذه الدراسة، لا يشير إلى ميل نفسي أو نزعة فردية، ولا يُستعمل استعارةً للجنس أو للرغبة الإيروسية بمعناها المادي الضيق، وإنما يدل على اقتصاد مادي تتحول داخله الأجساد، والأشياء، والأمكنة إلى موضوعات للاستثمار الليبيدي. فالرغبة هنا ليست حالة داخلية أو دافعاً بيولوجياً، وإنما قوة اجتماعية وسياسية تعيد إنتاج العالم، تماماً كما هو الحال مع الرغبة والجنس⁸.
والمبنى، باعتباره موضوعاً للرغبة، لا يُشيَّد لأنه يؤوي الأجساد فحسب، بل لأنه يمنح الدولة، ورأس المال، والاستعمار، والسلطة إمكانية تجسيد صورة معينة للعالم، وإنتاج شكل معين للحياة، وترتيب معين للأجساد. وبالمثل، لا يُدمَّر لأنه فقد قيمته الوظيفية، وإنما لأن محوه يسمح بإعادة إنتاج ذلك العالم وفق نظام جديد للذاكرة، والسيادة، والانتماء. وهكذا لا يظهر البناء والهدم بوصفهما فعلَين متقابلَين، بل بوصفهما ممارستَين تنتميان إلى الاقتصاد الليبيدي ذاته؛ اقتصاد لا يعيد تشكيل الحجر وحده، وإنما يعيد تشكيل العلاقة بين الجسد والمكان⁹.
إن هذا التحول يفرض إعادة النظر في معنى الرغبة السياسية نفسها. فالرغبة، في هذا السياق، ليست الإرادة المجردة للدولة، ولا رغبة الفاعل السياسي الفردية، وإنما البنية التي تجعل السيطرة ذاتها موضوعاً للمتعة، وتجعل إعادة تشكيل العالم فعلاً يستثمر قدراً هائلاً من الطاقة العاطفية، والرمزية، والجسدية. وهنا لا يعود الفضاء العمراني مجرد ساحة تُمارَس عليها السلطة، بل يتحول إلى أحد موضوعات اللذة السياسية ذاتها، حيث تغدو السيطرة على المكان، وإعادة تصميمه، أو محوه، فعلاً لإنتاج السيادة بقدر ما هو فعل لإنتاج الرغبة. ولعل هذا ما يفسر الطابع الاحتفالي الذي يرافق، في كثير من السياقات الاستعمارية والعسكرية، عمليات السيطرة على الفضاء وبنائه أو تدميره. فلا يُكتفى بإزالة المكان أو إعادة بنائه، بل يُعاد عرضه، وتصويره، وتوثيقه، وتحويله إلى مشهد قابل للتداول. إن فعل امتلاك المكان، بناءً أو هدماً، يكتسب قيمة إضافية بوصفه فعلاً استعراضياً ينتج اعترافاً بالهيمنة ويحولها إلى مادة للاستهلاك البصري¹⁰.
وإذ ثمة مسافة إدراكية ضرورية بين الاشتهاء والبورنوغرافيا، فالاشتهاء، في حد ذاته، لا ينتج بعدُ البورنوغرافيا. إذ إن ما يحوّل الاشتهاء إلى بنية بورنوغرافية هو لحظة التشييء (objectification)، حين يفقد الجسد، أو امتداده المعماري، فرادته وعلاقاته الاجتماعية، ليصبح موضوعاً قابلاً للعرض، والتبادل، والامتلاك، والاستهلاك. فعندما يفقد البيت معناه المتفرد يتحول إلى شيء يمكن إعادة إنتاجه، أو استثماره، أو محوه، دون أن تُحسب الحياة التي يحملها جزءاً من قيمته (فلننظر إلى تصميمات البيوت في المدن الجديدة في مصر مثلاً: بيت خشبي على الطراز الأمريكي: بيت مستقل، دون سور، وبموقف للسيارة على جانبه وبيت للكلب، وباب خشبي، وباحة أمامية عشبية). فالتشييء لا يجرّد العمارة من ماديتها، بل يجرّدها من علاقتها بالجسد الذي يمنحها معناها¹¹.
ومن هنا تنطلق هذه الدراسة من فرضية أن البورنوغرافيا ليست، في المقام الأول، نمطاً من تمثيل الجسد، وإنما هي نمط من العلاقة مع العالم عبر الجسد. إنها اللحظة التي يُختزل فيها الجسد إلى قابليته للامتلاك والتمتع، دون أن تكون له فرادة خاصة به، ويُختزل فيها المكان إلى قابليته للسيطرة، ويُختزل فيها الظهور إلى قيمة قائمة بذاتها. وعندما تُقرأ العمارة داخل هذا الاقتصاد، فإنها لا تصبح موضوعاً للرؤية فقط، بل موضوعاً للشهوة؛ شهوة لا تنفصل عن السلطة، لأنها لا تكتفي بإنتاج المكان، بل تنتج أيضاً الرغبة في اختراقه، وامتلاكه، وإعادة تشكيله، أو محوه بالكامل¹².
غير أن البورنوغرافيا ليست مجرد صور للأجساد، بل منظومة إنتاج للرغبة. فهي لا تقوم على الصورة وحدها، وإنما على شبكة كاملة من المؤسسات والصناعات والوسائط التي تنتج الجسد بوصفه سلعة أو شيئاً قابلاً للعرض والاستهلاك. تشارك في هذه المنظومة شركات الإنتاج، ومنصات التوزيع، والإعلان، وصناعات الموضة، وتقنيات التصوير، والخوارزميات الرقمية، بحيث لا يُنتج الجسد منفصلاً عن الاقتصاد الذي يمنحه قيمته بوصفه موضوعاً للرغبة (لعل أذكى من استطاع فهم ذلك في العالم العربي، كان الراحل ياسر عرفات، حيث قرر أن يقدم مقابلةً مطولةً معه لمجلة البلاي بوي الشهيرة، في عام 1993). وبالطريقة نفسها، لا يمكن فهم العمارة بوصفها مبنى قائماً بذاته، بل بوصفها نتاج شبكة متداخلة من المعماريين، والمطورين العقاريين، والمؤسسات المالية، والدولة، وشركات الإنشاء، والإعلام، والجوائز المعمارية، والمنصات الرقمية، والصناعات الثقافية التي تنتج المبنى، وتسوقه، وتعيد تدويره بوصفه سلعةً بصريةً ورأسمالاً رمزياً، ليصل إلينا في النهاية كمتلقين نشتهيه. ومن ثم، فإن ما أقترح تسميته «الإباحية المعمارية» لا يشير إلى أسلوب تصميمي، ولا إلى حضور الجسد في العمارة، بل إلى اقتصاد سياسي للرغبة يعيد إنتاج المبنى، والمعماري، والمدينة داخل منظومة واحدة من الظهور، والاستهلاك، والسلطة.
على الرغم من أن العلاقة بين العمارة والجسد والرغبة ليست جديدة في النظرية المعمارية، فإن الأدبيات تناولتها ضمن مسارات مختلفة لا ينبغي الخلط بينها. فقد استُخدم مفهوم Erotic Architecture للإشارة إلى العمارة التي تستثير الحواس أو تنتج الحميمية، كما عند ألبرتو بيريز-غوميز (1949)، حيث يرتبط الإيروس (مجموعة الغرائز الجنسية وحب البقاء والتمتع بالحياة) بتجربة السكن والإدراك أكثر من ارتباطه بالتمثيل الجنسي¹³. بينما ركزت دراسات Architecture of Desire على الفضاءات التي تنظم الرغبة الاستهلاكية، مثل المنتجعات، والفنادق، والكازينوهات، ومراكز التسوق، بوصفها فضاءات لإنتاج أنماط معينة من الاستهلاك¹⁴. أما بول ب. بريسيادو (1970)، في كتابه Pornotopia، فقد نقل النقاش إلى مستوى آخر، حين بيّن أن البورنوغرافيا ليست محتوىً جنسياً، بل منظومة معمارية وتقنية واقتصادية لإنتاج الجسد والرغبة داخل الرأسمالية المتأخرة¹⁵.
غير أن مفهوم الإباحية المعمارية الذي تقترحه هذه المقالة يختلف عن هذه المقاربات جميعاً. فهو لا يصف فضاءات لممارسة الجنس، ولا فضاءات لإنتاج الحميمية، ولا حتى عمارةً تستثمر الرغبة الاستهلاكية، بل يشير إلى التحول الذي تصبح فيه العمارة نفسها موضوعاً للرغبة. فالذي يُستهلك هنا ليس الجسد وحده، وإنما المبنى، والمدينة، والمعماري، والصورة العمرانية، بوصفها جميعاً موضوعات للسيادة، والامتلاك، والاستعراض، والمحو. ومن ثم، فإن البورنوغرافيا لا تحيل في هذا السياق إلى حضور الجنس في العمارة، بل إلى الاقتصاد السياسي الذي يعيد إنتاج العمارة وفق منطق الانكشاف، والتشييء، والاستهلاك، وإعادة إنتاج كل هذا.
وعند هذه النقطة يصبح الانتقال إلى مفهوم الفيلسوف آلان باديو (1937) عن «العصر الإباحي»، وإلى القراءة التي يقدمها المعماري نادر لحيجي لهذا المفهوم في العمارة، ضرورةً نظريةً، لا لأنهما يقدمان الإجابة النهائية، بل لأنهما يقدمان أول محاولة فلسفية لقراءة العمارة بوصفها جزءاً من اقتصاد الرغبة المعاصر. غير أن هذه الدراسة تنطلق من فرضية مختلفة، فالإباحية المعمارية لا تبدأ عند الصورة، بل تبدأ عند الجسد، ولا تنتهي عند الظهور، بل تمتد إلى إنتاج الحياة والموت، والبناء والإبادة، بوصفها تعبيرات مختلفةً عن الاقتصاد الليبيدي نفسه¹⁶.

خطــ٣٠ // تنشر وفق الحقوق المفتوحة Copyleft
من «العصر الإباحي» إلى مقاربة للإباحية المعمارية
لا يأتي استدعاء آلان باديو ونادر لحيجي هنا من الرغبة في إلحاق العمارة بنظرية فلسفية مكتملة، ولا من اعتبار مفهوم «العصر الإباحي» تفسيراً جاهزاً للتحولات العمرانية المعاصرة. إنما تكتسب مقاربتهما أهميتها لأنهما يتيحان نقل النقاش من البورنوغرافيا بوصفها نوعاً من الصور إلى البورنوغرافيا بوصفها بنيةً للعلاقة مع الحاضر، والأنا والآخر. فالسؤال الذي يشغل هذه المقالة لا يتعلق بوجود محتوى جنسي في العمارة، ولا باستعارة لغة الجنس لتوصيف المباني، بل بالكيفية التي أصبحت بها العمارة تُنتَج وتُعرَض وتُمتلَك وتُدمَّر ضمن اقتصاد يجعل الانكشاف، والتشيؤ، والتمتع، والتداول شروطاً لإنتاج القيمة والسلطة معاً، أي «اشتهاء العمارة».
باديو: الحاضر بوصفه نظاماً للصور
ينطلق باديو في The Pornographic Age من قراءة مسرحية جان جينيه، «الشرفة»، لا بقصد تقديم نظرية في المواد البورنوغرافية، بل لتشخيص ما يسميه «اختلال الحاضر» تحت هيمنة «نظام الصور»¹⁷. في هذا التشخيص، لا تشير الإباحية إلى مجرد الإفراط في عرض الأجساد، وإنما إلى بنية سياسية ومعرفية تصبح فيها الصورة قادرة على احتلال موقع الواقع وقادرة على تكثيف واحدة من أهم العواطف البشرية: الشهوة، وتغدو قابلية الشيء للظهور والتداول مقياساً لقيمته وفاعليته. ليست المشكلة، إذن، أن الحاضر مليء بالصور، بل إن العلاقة بالحقيقة تمر عبر نظام يجعل الصورة، والمحاكاة، والسلعة، والتمتع الفوري، أفقاً يكاد يستنفد الممكن الاجتماعي. يربط باديو هذا النظام بما يسميه صنم الديمقراطية. فـ«الديمقراطية»، في الخطاب السياسي الغربي، لا تشير عنده إلى سيادة فعلية للشعب، بل إلى اسم يمنح نظام الدولة الرأسمالية شرعيته، ويغدو من الصعب التفكير خارجه. إنها «الشعار الذي لا يُمَسّ» داخل النظام الرمزي المعاصر؛ إذ يمكن انتقاد الفقر أو الحرب أو الرأسمالية ما دام النقد يُقدّم باسم الديمقراطية ذاتها¹⁸. هنا تعمل الديمقراطية بوصفها صورة عن السلطة تحجب بنيتها المادية: تُظهر الحرية فيما تعيد إنتاج عدم المساواة؛ وتعرض التعدد فيما تضبط حدود الممكن السياسي.
تتيح قراءة باديو لمسرحية جينيه توضيح هذه العلاقة بين الصورة والسلطة. فبيت الدعارة في المسرحية ليس مجرد مكان لممارسة اللذة، بل فضاءٌ منظمٌ لإنتاج الصور والأدوار والتخيلات، القاضي، والأسقف، والجنرال، ومدير الشرطة، جميعهم لا يملكون السلطة من خلال أفعالهم الواقعية بقدر ما يستمدونها من قدرتهم على الظهور في صورتها. ولذلك يغدو بيت الدعارة نموذجاً للحاضر: «بيت للوهم» تُنتج داخله صور السلطة وتُستهلك بوصفها متعةً، بينما يُحجب العالم المادي الذي تقوم عليه¹⁹. لا تعود الإباحية عند هذه النقطة كشفاً لما كان مستوراً فحسب، بل تتحول إلى تنظيم كامل للرؤية، واللذة، والسلطة، بحيث يصبح الظهور نفسه وسيلةً لإخفاء علاقات الإنتاج والسيطرة. وتكتسب صورة «الفالوس» لدى باديو معناها ضمن هذا السياق. فالمقصود ليس العضو الذكري البيولوجي، وإنما وظيفة رمزية للسلطة تظهر بوصفها كتفية بذاتها، ومصدراً للهيبة، والاعتراف، والخضوع. يستند باديو هنا إلى قراءة جاك لاكان (1901-1981) لـ«الشرفة»، حيث يشير الفالوس إلى الدور الذي يؤديه العضو داخل الخيال وبنية الدلالة، لا إلى تشريح الجسد نفسه²⁰. بهذا المعنى، يصف الفالوس الكيفية التي تُظهر بها السلطة نفسها: قوة متضخمة، ومرئية، ومهيبة، لكنها تعتمد في الوقت ذاته على المسرحة والمحاكاة والاعتراف الذي تنتجه الصورة.
المفيد لنا في مقاربة باديو هو انتقاله من تعريف الإباحية بوصفها محتوىً إلى فهمها باعتبارها شكلاً لتنظيم الحاضر. إلا أن المكان عنده يظل، في الغالب، مسرحاً فلسفياً أو استعارة لبنية الصور: الشرفة، وبيت الدعارة، والخارج، والمسرح. لا يبحث باديو بصورة تفصيلية في كيفية تحول العمارة المادية، والمدينة، والبنية التحتية، والسكن، والخراب إلى عناصر منتجة لهذا النظام. كما لا يحتل الجسد الذي يسكن المكان، ويُهجّر منه، ويُصاب فيه، ويُقتل معه، الموقع التأسيسي الذي تحتله الصورة والفالوس والحقيقة السياسية في تحليله. لا يمثل ذلك نقصاً ينبغي «تصحيحه» من خارج مشروعه، بقدر ما يحدد المسافة التي تنطلق منها مقاربتنا هنا لبناء سؤالها الخاص.
لحيجي: العمارة داخل «نظام الصور»
يستعير نادر لحيجي من باديو تشخيص «نظام الصور» وينقله إلى الخطاب المعماري. وتتمثل أطروحته المركزية في أن العمارة المعاصرة ليست مجرد متلقٍ سلبي للحاضر الإباحي، بل شريك فعلي في إنتاجه؛ فالسمات التي يحددها باديو في المجتمع المعاصر تظهر، وفق لحيجي، في الأسطح المعمارية وفي خضوع المبنى لقيمة العرض وللاقتصاد البصري للرأسمالية النيوليبرالية²¹. تتحول العمارة بذلك إلى «الشعار المتضخم للسلطة»، مشيراً إلى الانتصاب، وتدخل ما يسميه «ماخور الصور»، حيث لا يعود المبنى وسيطاً للاستعمال المشترك بقدر ما يصبح موضوعاً للإشباع البصري وصنماً للاستهلاك. (نتذكر هنا برج القاهرة الذي صممه نعوم شبيب مستلهماً زهرة اللوتس، لكن حضوره في المخيال السياسي والثقافي تجاوز نية مصممه، إذ أُعيد تأويله بوصفه رمزاً للسيادة والتحدي، بل وأُسبغت عليه لاحقاً قراءات فالوسية ربطت شكله بالهيمنة والقوة: الإصبع الأوسط أو القضيب المنتصب). ولا يختزل لحيجي المسألة في الأيقونية المعمارية أو في فائض الزجاج والواجهات الرقمية. فهو يبني مقاربته عبر سلسلة من الثنائيات: العري والكساء، البنية والزخرفة، الحجاب والكشف، الاستعمال والتمتع، الجمال والمعلومة. وتسمح له هذه الثنائيات بتتبع الكيفية التي يفقد بها المبنى المسافة الضرورية بين ظهوره ومعناه، فيتحول إلى سطح مكشوف وإلى مادة بصرية فورية. ويستعين، إلى جانب باديو، بجورجيو أغامبن (1942) وبيونغ-تشول هان (1959) وغيرهما لكي يربط بين الشفافية، وقيمة العرض، وصنمية السلعة، وإخضاع العمارة لإلزام دائم بالظهور. ويشير تقديم الكتاب إلى أن الرأسمالية «تجعل المجتمع بورنوغرافياً» بتحويل كل قيمة إلى قيمة عرض، وبإخضاع الأجساد للانكشاف بوصفها مواد صورية سلبية، أي غير فاعلة.
ويكتسب التمييز بين الاستعمال والتمتع أهمية مركزية في أطروحة لحيجي. فالعمارة المعاصرة، في نظره، كيان منقسم بين استعمال المكان وبين التمتع بصورته؛ بين ما يسمح به المبنى من حياة مشتركة وبين ما يقدمه من إشباع داخل سوق الصور. ومن هنا يسعى إلى التفكير في إمكان إخراج العمارة من «ماخور الصور» وإعادتها إلى مجال «الحقيقة السياسية»، أي إلى علاقة بالمشترك لا تختزل المبنى إلى صورة أو سلعة أو أداة للذة الاستهلاكية²². ويصرح لحيجي بأن هدفه هو البحث عن «الواقع خارج الصورة» وفك ارتباط المبنى بشعار السلطة المتضخم، مستنداً إلى مفهوم باديو عن الحقيقة السياسية ونقد الأيديولوجيا.
تتيح هذه المقاربة خطوة حاسمة: لم تعد الإباحية شأناً ثقافياً خارجياً يمكن للعمارة تمثيله، بل أصبحت جهازاً معمارياً. فالسطح، والواجهة، والصورة المنشورة، واسم المعماري، وقيمة العرض، جميعها أجزاء من البنية التي تنتج المبنى داخل الحاضر الإباحي. كما تبيّن قراءة لحيجي أن العمارة لا تُحاصر بالصور بعد اكتمالها، بل تُصمَّم منذ البداية لكي تدخل دوائر العرض والتداول والإشباع البصري. بهذا المعنى، لا تُضاف الفرجة إلى المبنى، بل تسهم في إنتاج مادته وتنظيم علاقته بالمدينة. (ولعل تصميمات زها حديد تمثل تجسيداً لهذا التوجه، ومن نماذجه أيضاً مبنى The Vessel في نيويورك وأوبرا هاربين في الصين).
تحويل زاوية السؤال
تلتقي مقاربتنا هنا مع باديو في النظر إلى البورنوغرافيا بوصفها منطقاً يتجاوز المحتوى الجنسي، ومع لحيجي في اعتبار العمارة إحدى الماديات التي يتجسد فيها هذا المنطق. لكنها لا تتخذ من «نظام الصور» نقطة انطلاق وحيدة. فالمسألة التي تكشفها المدينة العربية المعاصرة لا تنحصر في طغيان الواجهة، أو تحويل المبنى إلى صورة، أو إخضاعه لقيمة العرض، إنها تبدأ قبل الصورة، في العلاقة بين الجسد والمكان، وتمتد بعد الصورة إلى علاقات الملكية، والتهجير، والحصار، والاختراق، والهدم، والعسكرة، والأمن، وإعادة الإعمار.
الإباحية المعمارية، وفق المقاربة المقترحة هنا، ليست خاصية شكلية تميز واجهة عن أخرى، ولا مفهوماً جمالياً يصف نوعاً بعينه من العمارة. إنها اقتصاد سياسي متجسد يعيد إنتاج المبنى، والمعماري، والمدينة، والسكان، داخل شبكة من الدولة، ورأس المال، والاستعمار، والمؤسسات الإعلامية، وتقنيات المراقبة، ومنظومات الحرب
ليس المقصود بذلك إقامة تقابل (ما) بين «الصورة» لدى لحيجي و«الجسد» في هذه المقالة. فالصورة نفسها ممارسة متجسدة: تُنتجها عين، وكاميرا، ومنصة، ومؤسسة، وتلتقط جسداً أو مبنىً من موقع سياسي محدد. كما أن الجسد لا يوجد خارج أنظمة الظهور والتمثيل. لكن جعل الجسد نقطة البداية يغير طبيعة السؤال. فبدل أن نسأل فقط كيف تصبح العمارة صورة بورنوغرافية، يصبح السؤال: كيف تتحول العمارة، باعتبارها امتداداً لشروط حياة الجسد، إلى موضوع للانكشاف والامتلاك والتمتع والشهوة والاعتداء؟ وكيف تعمل البنية البورنوغرافية عندما لا يكون موضوعها سطح المبنى وحده، بل الأجساد التي تسكنه والذاكرة التي يحملها وإمكان الحياة الذي يوفره؟
تفرض هذه الزاوية كذلك توسيع المقياس من المبنى المفرد إلى المدينة. فالإباحية المعمارية، وفق المقاربة المقترحة هنا، ليست خاصية شكلية تميز واجهة عن أخرى، ولا مفهوماً جمالياً يصف نوعاً بعينه من العمارة. إنها اقتصاد سياسي متجسد يعيد إنتاج المبنى، والمعماري، والمدينة، والسكان، داخل شبكة من الدولة، ورأس المال، والاستعمار، والمؤسسات الإعلامية، وتقنيات المراقبة، ومنظومات الحرب. وقد تعمل الشبكة نفسها من خلال مشاريع البناء الكبرى التي تعرض مستقبلاً متخيلاً، أو من خلال عمليات تدمير تجعل المدينة موضوعاً للمشاهدة والاحتفال وإعادة التصميم. ومن هنا لا يُفهم المحو بوصفه نقيضاً خارجياً للظهور. قد يكون المحو نفسه أحد أكثر أنماط الظهور كثافة: يُصوَّر الانفجار، ويُبَث انهيار المبنى، وتُعرَض الأنقاض دليلاً على القوة، ثم تُعاد صياغة الخراب بوصفه فرصة للتخطيط والاستثمار (أليست تلك شبيهة بدورة العلاقة الجنسية في البورنوغرافيا ومآلاتها من حيث المهيمِن والمهيمَن عليه؟!). وفي هذه الدورة، لا تختفي العمارة عندما تُدمَّر، بل تنتقل من صورة المبنى المرغوب إلى صورة المبنى المستباح، ثم إلى صورة المشروع الذي سيحل محله. تصبح قابلية المبنى للمحو جزءاً من قابليته للتداول، كما يصبح خراب المدينة مادة لإنتاج تصورات جديدة عن السيادة والمستقبل.
على هذا الأساس، لا تسعى هذه الدراسة إلى استبدال مفهوم باديو أو تصحيح قراءة لحيجي، بل إلى إقامة مقاربتها في المجال الذي فتحاه: اعتبار البورنوغرافيا بنية للحاضر، واعتبار العمارة جهازاً داخلها. بهذا المعنى، تشير الإباحية المعمارية هنا إلى اقتصاد متجسد للرغبة تُنتَج داخله العمارة بوصفها موضوعاً للظهور والامتلاك والاستعمال والاختراق والمحو. ولا تمثل هذه الأفعال مراحل خطية، بل آليات قد تعمل متزامنةً داخل المشروع أو المدينة أو في الحرب نفسها. ومن ثم، فإن الانتقال التالي لن يكون انتقالاً من النظرية إلى التطبيق، بل من تعريف المجال إلى تحليل كيفية عمله: كيف يحوّل التشييء المبنى إلى وحدة قابلة للاشتهاء؟ وكيف يجعل الانكشاف الحياة الداخلية مادة للعرض والمراقبة والعاطفة؟ وكيف يصبح الاختراق فعلاً متجسداً للهيمنة؟ وكيف يبلغ هذا الاقتصاد حدّه الأقصى في المحو العمراني الإبادي؟
آليات الإباحية المعمارية
أولاً: الانكشاف (Exposure)
إذا كان العصر الإباحي، وفق آلان باديو، يقوم على نظام فائض الظهور، وإذا كانت العمارة المعاصرة، وفق نادر لحيجي، قد أصبحت جزءاً من هذا النظام، فإن أولى آليات الإباحية المعمارية تتمثل في الانكشاف. ولا يُقصد بالانكشاف هنا مجرد ظهور المبنى في المجال البصري، وإنما تحوله إلى شيء لا تكتمل قيمته إلا بقدر ما يكون معروضاً، وقابلاً للرؤية، والتداول، وإعادة الإنتاج البصري. فالمبنى لم يعد ينتظر أن يُسكَن كي يكتسب معناه، أو أن ينجح وظيفياً، بل أصبح مطالباً أولاً بأن يُرى²³. وليست تلك مسألة جمالية فحسب، بل إعادة تنظيم كاملة للعلاقة بين العمارة ورأس المال. فالصورة لم تعد نتيجة للمبنى، بل أصبحت شرطاً لإنتاجه. وقبل أن يُشيد البرج، أو المتحف، أو المطار، أو المدينة الجديدة، تكون صوره قد انتشرت في الحملات الدعائية، والعروض الرقمية، والمجلات المعمارية، ومنصات التواصل الاجتماعي. وهكذا تدخل العمارة إلى المجال العام بوصفها وعداً بصرياً أكثر منها فضاء قابلاً للعيش، ويصبح نجاح المشروع مرتبطاً بعدد الصور التي ينتجها بقدر ارتباطه بعدد الأشخاص الذين سيستخدمونه²⁴.
هكذا لا ينهي التدمير حضور المبنى، بل يعيد إنتاجه بوصفه مشهداً، لتدخل العمارة، في لحظة بنائها كما في لحظة محوها، في الدورة البصرية نفسها للشهوة والقوة
والانكشاف هنا هو أحد شروط وجود العمارة. فالمبنى الذي لا يُصوَّر، ولا يُنشَر، ولا يُعاد تداوله، يفقد جزءاً كبيراً من قيمته داخل الاقتصاد المعاصر للعمارة. ولهذا أصبحت الواجهة أكثر أهمية من الداخل، وأصبح السطح أكثر حضوراً من الحياة التي تجري خلفه، وأصبحت المدينة نفسها تُصمَّم لكي تُرى من الطائرة، أو من الطائرة المسيّرة، أو من شاشة الهاتف، قبل أن تُختبَر بالمشي أو السكن. لقد انتقلت العمارة من اقتصاد الاستعمال إلى اقتصاد الظهور²⁵. غير أن الانكشاف لا يعني مجرد قابلية الشيء للرؤية. فالظهور قد يكون لحظة من لحظات الانكشاف، لكنه لا يستنفده. فالانكشاف، كما يبين بيونغ-تشول هان، هو النظام الذي تُرفَع فيه الحجب تدريجياً عن الأشياء، لا بغرض المعرفة، وإنما بغرض تحويلها إلى موضوعات للعرض والتداول. وما يفقده الشيء في هذه العملية ليس خفاءه فحسب، بل خصوصيته أيضاً. فكلما ازداد انكشافه، تضاءلت قدرته على الاحتفاظ بمسافة بين ذاته والعين التي تراقبه. ولهذا لا يعود البيت في النظام البورنوغرافي مجرد واجهة مرئية، بل يفقد أيضاً صفته بوصفه فضاء للداخل، وللسر، وللحميمية، وللانسحاب من المجال العام. وعند هذه النقطة، لا يعود الانكشاف خاصية بصرية للعمارة، بل يتحول إلى إعادة تنظيم للعلاقة بين الجسد والمكان، حيث تصبح الخصوصية نفسها موضوعاً للتداول والاستهلاك²⁶.
لدينا عربياً العديد من المشاريع المعمارية الشاهدة على هذا التحول. فالعاصمة الإدارية الجديدة في مصر، ونيوم في السعودية، ومشروعات الواجهات البحرية في الخليج، جميعها قُدِّمت إلى العالم أولاً عبر صورها الرقمية (renderings) قبل أن تتحول إلى فضاءات مأهولة. ولم تكن هذه الصور مجرد أدوات تسويق، بل كانت جزءاً من إنتاج المشروع نفسه؛ إذ جذبت الاستثمار، وصاغت المخيال العام، ومنحت الدولة لغة جديدة لتمثيل المستقبل. في هذه الحالات، لا تعمل الصورة على تمثيل العمارة، بل على إنتاجها اقتصادياً وسياسياً، دون الحد الأدنى من مساءلة تلك العمارة وظيفياً²⁷. غير أن الانكشاف لا يقتصر على لحظة البناء. ففي أزمنة الحرب، يخضع الخراب بدوره للمنطق نفسه. فالمباني المدمرة لا تختفي عن المجال البصري، بل تتحول إلى صور أكثر كثافة من المباني السليمة. وتصبح الأنقاض مادة إعلامية، وأداة للدعاية، ومادة لقومنة الذات الدولانية الحديثة (الإسرائيلية)، ووسيلة لإعلان القوة أو استدعاء التعاطف، بحسب موقع منتج الصورة والمتلقي. وهكذا لا ينهي التدمير حضور المبنى، بل يعيد إنتاجه بوصفه مشهداً، لتدخل العمارة، في لحظة بنائها كما في لحظة محوها، في الدورة البصرية نفسها للشهوة والقوة²⁸.
غير أن الانكشاف وحده لا يفسر الاقتصاد البورنوغرافي للعمارة. فليس كل ما يُعرَض يصبح موضوعاً للرغبة، كما أن الظهور لا يكفي لتفسير العنف الذي يُمارَس على المكان. ولذلك لا بد من الانتقال إلى الآلية الثانية، وهي التشيؤ.
ثانياً: التشيؤ (Objectification)
تشييء العمارة يحوّلها إلى موضوع للامتلاك. فليست كل الأشياء المرئية أشياء قابلة للامتلاك. وإذ يرى بعض الباحثين أن كل ما يدخل في منطق التشييء يفقد تدريجياً علاقته بالشروط التي أنتجته، ليصبح كياناً مستقلاً، قابلاً للتبادل، والقياس، والاستبدال، وإعادة الإنتاج²⁹. فالمبنى ليس استثناءً هنا، فما إن يُنتزَع من شبكة العلاقات الاجتماعية التي تمنحه معناه، حتى يغدو شيئاً يمكن تقييمه بوصفه أصلاً عقارياً، أو منتجاً بصرياً، أو رمزاً للهيبة، بصرف النظر عن الأجساد التي تسكنه، أو الذكريات التي يحملها، أو الحياة التي تتشكل داخله. ولا يعني التشييء أن العمارة تتحول إلى سلعة فحسب، بل يعني أنها تُفصَل عن زمنها الاجتماعي. فالبيت، قبل أن يكون بناءً من الخرسانة أو الحجر، هو تراكم للعلاقات اليومية، وإيقاعات السكن، وطقوس الطعام، والنوم، والحداد، والاحتفال، والحب، والخوف والسكينة. وهذه العناصر لا تُضاف إلى المبنى من الخارج، بل هي التي تمنحه صفته كبيت أصلاً. وعندما يُختزَل البيت إلى سعره السوقي، أو إلى صورته المعمارية، أو إلى موقعه على الخريطة الاستثمارية، فإن ما يُشيَّأ ليس البناء وحده، بل الحياة التي كانت تتكثف داخله³⁰.
ومن هنا، فإن التشيؤ لا ينفصل عن الجسد. فإذا كانت هذه المقالة قد انطلقت من أن العمارة امتداد للجسد، فإن تحويل العمارة إلى شيء يقتضي، بالضرورة، تحويل الجسد نفسه إلى موضوع قابل للإدارة، والتصنيف، والتبادل. ولهذا لا تعمل السوق العقارية، والدولة، والاستعمار، كل بطريقته، على إنتاج المباني وحدها، بل على إنتاج أنماط معينة من السكان، ومن أشكال الوجود، ومن إمكانات السكن. وما يبدو تداولاً للأصول العقارية يخفي، في جوهره، إعادة توزيع للأجساد داخل المجال، وتحديداً لمن يملك حق الإقامة، ومن يُدفَع إلى الهامش، ومن يصبح وجوده فائضاً عن الحاجة. وهذا الأمر رُوعي في تصميم المدن الجديدة في القاهرة منذ أواخر القرن العشرين. من منا ينسى مشاهد التنمر على بائع التوصيل الذي جلس في إحدى الحدائق ليأكل وجبة غذائه تحت شجرة، فتحول إلى مادة للتصنيف الطبقي والجنسي وحتى العرقي للجسد المناسب للمكان.
هكذا تُختزل المدينة إلى منتج، والسكن إلى استثمار، والمواطن إلى مستهلك أو مستثمر، بينما يغيب السؤال عن الكيفية التي ستُنتج بها هذه الأمكنة علاقات اجتماعية أو ذاكرة جماعية
ويكتسب هذا التحول بعداً أكثر وضوحاً في التجربة العربية المعاصرة. فالمشروعات العمرانية الكبرى لا تُعرض باعتبارها أماكن ستنشأ فيها حياة اجتماعية، بل بوصفها منتجات مكتملة قبل أن يسكنها أحد. تُباع المدن الجديدة عبر صور الشوارع الفارغة، والأبراج اللامعة، والمسطحات الخضراء، أكثر مما تُباع عبر المجتمعات التي ستنشأ فيها. وهكذا تُختزل المدينة إلى منتج، والسكن إلى استثمار، والمواطن إلى مستهلك أو مستثمر، بينما يغيب السؤال عن الكيفية التي ستُنتج بها هذه الأمكنة علاقات اجتماعية أو ذاكرة جماعية³¹. يبلغ هذا التشيؤ ذروته حين يصبح الانفصال عن الجسد شرطاً لإمكان التدمير نفسه. فالمبنى الذي يُنظر إليه بوصفه شيئاً مجرداً يسهل هدمه أكثر من المبنى الذي يُنظر إليه بوصفه امتداداً لحياة بشرية. ولهذا فإن كل عملية محو عمراني تسبقها، بصورة أو بأخرى، عملية تجريد رمزي للأجساد الموجودة فيه عن إنسانيتها، لتحوّل البيوت إلى «أهداف»، والأحياء إلى «مربعات»، والمدارس إلى «بنى تحتية»، والمستشفيات إلى «مواقع»، والبشر في كل هؤلاء إلى «حيوانات». ليست هذه مجرد لغة عسكرية مرتبطة فقط بالحروب، بل آلية للتشيؤ تجعل تدمير المكان ممكناً أخلاقياً وسياسياً، لأنها تنزع عنه أولاً صفته بوصفه حاضناً للحياة³².
ما تنتجه البورنوغرافيا، في نهاية المطاف، ليس فائضاً في الرؤية، بل فائضاً في التشييء؛ إذ لا يصبح الجسد موضوعاً للرغبة إلا بعد أن يُختزَل إلى شيء، ولا تصبح العمارة موضوعاً للرغبة إلا بعد أن تُختزَل هي الأخرى إلى شيء. وعند هذه النقطة يبدأ الانتقال من مجرد امتلاك المكان إلى الرغبة في السيطرة عليه.

خطــ٣٠ // تنشر وفق الحقوق المفتوحة Copyleft
ثالثاً: الامتلاك (Possession)
بدايةً، نقول إن الامتلاك، المشار إليه هنا، لا يُختزَل في الحيازة القانونية، ولا في تسجيل الملكية، ولا حتى في السيطرة المادية المباشرة، وإنما يشير إلى العلاقة التي يصبح فيها المكان موضوعاً للشهوة السياسية. فالامتلاك هنا لا يعني مجرد أن يكون الشيء «لي»، بل أن تصبح لي القدرة على تحديد معناه، والتحكم في شروط وجوده، ورسم حدود الوصول إليه، وتقرير من يحق له السكن فيه، ومن يُقصى عنه، بل بماذا يشعر وكيف يعبر عن شعوره³³. ومن هذا المنظور، لا ينشأ الامتلاك بعد اكتمال العمارة، بل يشارك في إنتاجها منذ البداية. فكل مشروع عمراني يفترض تصوراً مسبقاً لمن سيشغل المكان، ومن سيُستبعَد منه، وما الأنشطة التي ستصبح ممكنة داخله، وما الأجساد التي سيُفسَح لها المجال للظهور أو يُعاد تنظيمها أو إخفاؤها. ولهذا لا تقتصر العمارة على بناء الفضاء، بل تبني في الوقت نفسه نظاماً للملكية، والوصول، والانتماء، بحيث تصبح المدينة نفسها جهازاً لتوزيع الحقوق في الوجود داخل المكان³⁴.
وتقدم التجربة العمرانية العربية المعاصرة أحد أكثر الشواهد وضوحاً على أن العمارة لم تعد تقتصر على إنتاج الفضاء المادي، بل أصبحت أداة لإعادة إنتاج المجال الاجتماعي نفسه. فمشروعات إعادة التخطيط، والمدن الجديدة، وبرامج «التطوير الحضري» لا تعيد توزيع المباني وشبكات البنية التحتية فحسب، وإنما تعيد أيضاً رسم الخريطة الاجتماعية للمدينة عبر تحديد من يحق له البقاء، ومن يُدفَع إلى الهامش، ومن يُستبعَد نهائياً من المجال الحضري. ففي مصر، ارتبطت إعادة تطوير مناطق مثل مثلث ماسبيرو وجزيرة الوراق، إلى جانب إنشاء العاصمة الإدارية الجديدة، بعمليات نزع ملكية وإعادة توطين أعادت تشكيل العلاقة بين الدولة والسكان، بحيث أصبح الفضاء العمراني أداة لإعادة توزيع السكان بقدر ما هو أداة لإعادة توزيع الاستثمارات. وفي سوريا، لم تُطرَح مشروعات إعادة الإعمار، مثل «ماروتا سيتي»، باعتبارها استجابة تقنية لآثار الحرب فحسب، بل ارتبطت بتشريعات، مثل المرسوم 66 والقانون رقم 10، أعادت تعريف حق العودة والملكية والانتماء إلى المدينة. وبذلك تغدو العمارة ممارسة سياسية لإعادة إنتاج المجال الاجتماعي، حيث لا يقتصر الامتلاك على السيطرة على الأرض أو المباني، بل يمتد إلى إعادة تشكيل السكان أنفسهم، وتوزيع الحقوق، وإعادة تعريف إمكانات الظهور والبقاء داخل المدينة، وهو ما يجعل سؤال «لمن تكون المدينة؟» سؤالاً عن السلطة بقدر ما هو سؤال عن العمران³⁵.
هكذا تتقاطع البورنوغرافيا مع السياسات العمرانية في منطق واحد، فكلاهما يبدأ بانتزاع الشيء من وجوده الاجتماعي، سواء كان بيتاً أو جسداً، قبل إعادة تقديمه بوصفه موضوعاً للسيطرة والامتلاك
غير أن الامتلاك، في الاقتصاد البورنوغرافي، لا يتوقف عند السيطرة على المكان، بل يبدأ بتجريده من العالم الاجتماعي الذي يمنحه معناه. فإذا كان بول كونرتون (1940-2019) ينظر إلى البيت بوصفه امتداداً للجسد، حيث تتجسد داخله عادات الحياة اليومية وإيقاعاتها³⁶، فإن العلاقة بين الساكن وبيته لا تقوم على الإقامة المادية وحدها، بل على تشكل متبادل يجعل البيت حاملاً للحياة الاجتماعية بقدر ما يحتضنها. ومن ثم، لا يمكن فهم هدم البيوت، أو مصادرتها، أو إعادة استخدامها بوصفها مجرد أفعال تستهدف البنية المادية، لأنها تفترض أولاً فصل البيت عن الأجساد التي سكنته، وعن العلاقات التي منحته معناه، وتحويله إلى موضوع مجرد قابل للامتلاك. وبالآلية ذاتها، لا تختزل البورنوغرافيا الجسد إلى جسد لأنه عارٍ، وإنما لأنها تنتزع عنه شخصيته، وتاريخه، وعلاقاته الإنسانية، فلا يعود يُرى إلا بوصفه موضوعاً للرغبة والاستهلاك. وهكذا تتقاطع البورنوغرافيا مع السياسات العمرانية في منطق واحد، فكلاهما يبدأ بانتزاع الشيء من وجوده الاجتماعي، سواء كان بيتاً أو جسداً، قبل إعادة تقديمه بوصفه موضوعاً للسيطرة والامتلاك.
والامتلاك لا يمثل نهاية الاقتصاد البورنوغرافي، بل يكشف حدوده. فالرغبة في الامتلاك لا تبلغ اكتمالها بمجرد السيطرة على المكان، لأن الشيء المملوك يظل يحتفظ بقدر من المقاومة ما دام يحتفظ بداخله، وخصوصيته، واستقلاله. ومن هنا تنشأ الآلية التالية: الاختراق. فإذا كان الامتلاك يمنح السلطة حق التصرف في المكان، فإن الاختراق يسعى إلى إلغاء المسافة التي تفصل السلطة عن الداخل، بحيث لا يعود هناك حد بين الخارج والداخل، ولا بين العام والخاص، ولا بين الجسد والعالم الذي يحتمي به.
رابعاً: الاختراق أو الإيلاج (Penetration)
لا يقتصر دور العمارة على تنظيم العلاقات بين الداخل والخارج، وإنما هي أيضاً النظام المادي والاجتماعي الذي يمنح هذا التمييز معناه. فالمدينة لا تتكون من المباني والشوارع والساحات فقط، بل من تدرج معقد في مستويات النفاذ والرؤية: من المجال العام إلى شبه العام، ومن العتبة المشتركة إلى الفناء، ومن المدخل إلى الممر، ثم إلى الغرف الأكثر خصوصية، أي من مساحات التعاقد إلى مساحات التراحم. وتؤدي الأبواب والنوافذ والجدران والأسوار والأفنية والمداخل وظيفة تتجاوز الفصل الإنشائي، فهي تحدد من يملك حق الدخول، ومن يُسمَح له بالنظر، وما الذي يمكن مشاركته، وما الذي ينبغي أن يظل محجوباً. لذلك لم يكن الجدار في تاريخ العمارة مجرد حامل أو حاجز مادي، بل حداً اجتماعياً وأخلاقياً يوزع درجات القرب، ويحمي إمكان وجود عالم داخلي لا يخضع باستمرار لنظر الآخرين أو لسلطتهم³⁷. ولا يحمي البيت الجسد لأنه يحيطه بالجدران وحدها، بل لأنه يمنحه القدرة على الانسحاب المؤقت من المجال العام، وعلى النوم، والحب، والمرض، والحزن، وتربية الأطفال، وحفظ الأشياء، من دون أن تتحول هذه الممارسات إلى موضوع دائم للمراقبة أو المحاسبة أو التراكم والإنتاج أو حتى التصنيف. وتنبع صفة البيت، بهذا المعنى، من قدرته على إنتاج الداخل، لا من هيئته الشكلية أو وظيفته السكنية فقط. فالغرفة والممر والخزانة والشرفة والمطبخ لا تمثل وحدات وظيفية منفصلة، بل تشكل معاً جغرافيا حميمة تتوزع داخلها العادات والذكريات والعلاقات بين الأجساد. وعندما يفقد المكان قدرته على حماية هذه الجغرافيا، قد تبقى الجدران قائمة، لكنه يبدأ في فقدان صفته بوصفه بيتاً³⁸.
يظهر الاختراق عند اللحظة التي يعجز فيها الحد المعماري عن إنتاج هذا الداخل المستقل. ولا يُقصَد به مجرد الدخول المادي إلى فضاء مغلق، بل إلغاء الاستقلال الذي يمنحه ذلك الفضاء لصاحبه. إن ما يُخترَق ليس الباب أو الجدار وحدهما، وإنما العلاقة التي تجعل للبيت خصوصيته، وللجسد مأواه، وللحياة اليومية إيقاعاً لا يخضع بالكامل لعين السلطة. ولذلك لا ينبغي فهم الاقتحام أو الإيلاج بوصفه عبوراً من الخارج إلى الداخل فحسب؛ إنه عملية يُعاد من خلالها تعريف الداخل نفسه بوصفه مساحة متاحة للتفتيش والمراقبة والتصوير وإعادة الاستخدام.
يمتد المنطق ذاته من المقياس المعماري إلى المقياس الحضري. فالتخطيط لا ينظم مواقع المباني واستعمالات الأراضي وشبكات الحركة فقط، بل يرسم أيضاً بنية النفاذ إلى المدينة: من يستطيع الوصول إلى حي معين؟ وبأي طريق؟ وفي أي وقت؟ وتحت أي شروط؟ أين توضع الحواجز؟ وأين تُفتَح الطرق أو تُغلَق؟ وما المناطق التي تصبح مرئية للمراقبة، وتلك التي تُعزَل أو تُطوَّق؟ بهذا المعنى، ينتج التخطيط الحضري منظومة من العتبات على مستوى المدينة؛ فالجسر، والطريق، والنفق، ونقطة التفتيش، والمنطقة العازلة، والبوابة، ليست مرافق محايدة، بل أجهزة تحدد العلاقة بين الحركة والسيادة، وبين حق العبور وإمكان منعه³⁹.
وهذا الاختراق أو الإيلاج ليس فقط تقنية عسكرية تُفرَض على العمارة من الخارج، في حالات استثنائية. فقد يصبح مبدأ كامناً في تصميم المجال الحضري نفسه. تعمل الكاميرات، والبوابات الإلكترونية، وأنظمة التعرف على الوجوه، والأسوار، والمجمعات المسيجة، ونقاط التفتيش، والشوارع القابلة للإغلاق، على إنتاج مدينة تتفاوت فيها درجات النفاذ وفق الموقع الطبقي والسياسي والأمني للجسد.
وعليه، فإن إمكانية الاختراق أو الإيلاج الحاضرة دائماً، ولو مؤجلة، تجعل العمارة والتخطيط معابر لهذه الحالة التي تمنح السلطة حق الاختراق، وتضمن وجوده فاعلاً في تشكيل التجربة المكانية والمعمارية والحضرية. إنها تعيد تنظيم إمكانات الوصول والرؤية والإقامة والطرد، ثم تستخدم هذه البنية عند الانتقال من الضبط اليومي إلى التدخل العسكري أو الأمني أو حتى الرمزي المباشر.
وتكشف عمليات اقتحام البيوت في فلسطين وجنوب لبنان هذا المنطق بكثافة استثنائية، حتى من خلال عدسة معمارية. فدخول الجنود إلى غرف النوم، والجلوس في غرف المعيشة، وفتح الأدراج والخزائن، والعبث بالمقتنيات الشخصية، أو تحويل المنازل إلى مواقع عسكرية، لا يهدف إلى وظيفة تكتيكية فحسب، بل يعيد إنتاج علاقة السلطة بالمكان من خلال إلغاء المسافة التي كان البيت يوفرها بين سكانه والعالم الخارجي.
وما يُستباح هنا ليس حق الملكية وحده، بل الحق في أن يحتفظ الجسد بعالم داخلي مستقل عن سلطة الاحتلال. وقد وثقت منظمات حقوقية اقتحامات لمنازل في غزة ولبنان واستخدام القوة داخلها، كما وثقت احتلال القوات الإسرائيلية لمستشفيات وإخضاع فضاءاتها الداخلية لسلطة عسكرية أدت إلى تعطيل الرعاية وإلحاق أضرار واسعة بها. ولا يقف الاختراق عند تحويل الداخل إلى مجال للسيطرة، بل قد يعيد تشكيل مادية المبنى نفسه وفق متطلبات الحركة العسكرية. فالجدار الذي كان يفصل بين بيتَين يمكن أن يُفتَح ليصبح ممراً، والغرفة قد تُحوَّل إلى نقطة إطلاق أو مراقبة، والمستشفى إلى موقع احتجاز وتحقيق، والمدرسة إلى ثكنة مؤقتة. وفي هذه الحالات، لا يُستخدَم المبنى في وظيفة جديدة فحسب، بل يُلغى النظام المعماري الذي كان ينظم علاقته بسكانه. تصبح الفتحات غير مرتبطة بحركة الحياة اليومية، بل بخط سير القوة؛ وتفقد العتبات معناها الاجتماعي لتغدو نقاط عبور عسكري. وهكذا لا تخترق الحرب المدينة عبر شوارعها فقط، بل تعيد إنتاج شبكة حركة داخلية تمر عبر أجساد المباني نفسها. (بالبحث في ذاكرتنا البصرية، نجد أننا في كل مشهد حراك ثوري عربي منذ 2011، رأينا تواطؤ السلطة والأنظمة وأجهزة الأمن مع النسيج العمراني، حين اعتلوا المتاحف والمستشفيات والمساجد والكنائس والمنازل).
الاختراق بوصفه أداء فالوسياً للسلطة
وبالعودة إلى صور الجنود الإسرائيليين في بيوت الفلسطينيين واللبنانيين وهم يرتدون ملابس داخلية نسائية، أو يستعرضون أدوات الزينة، أو يلتقطون صوراً داخل غرف النوم، فإن تلك الصور تكشف لنا عن بعد يتجاوز السيطرة المكانية المباشرة. ولا يتطلب تحليل هذه المشاهد افتراض وجود دافع جنسي واعٍ لدى كل فاعل؛ فالمسألة تتعلق بالبنية التي تسمح بتحويل اقتحام البيت باعتباره مادة معمارية، إلى أداء للسيادة والذكورة، وتجعل السيطرة على الفضاء الحميم قابلة للتعبير بلغة الإيحاء الجنسي والسخرية والتمتع. هنا لا ينبغي اختزال العلاقة إلى معادلة شكلية من نوع «السلاح يساوي القضيب». فالفالوس في التحليل اللاكاني لا يحيل إلى العضو البيولوجي بقدر ما يحيل إلى وظيفة رمزية تُظهر السلطة بوصفها كاملة وقادرة على فرض الاعتراف بها⁴⁰. وقد يكتسب السلاح وظيفة فالوسية حين يصبح علامة معروضة على القدرة على الاختراق والإخضاع، لكن الوظيفة نفسها لا تتجسد في السلاح وحده. تحملها أيضاً الكاميرا التي تحول الفعل إلى مشهد، والجندي الذي يؤدي صورة المنتصر، والبيت الذي يُعاد عرضه بوصفه داخلاً منزوع الحماية، والمنصة التي توسع جمهور الهيمنة. من هذه الزاوية، لا يتمثل الأداء الفالوسي للسلطة في إطلاق النار فقط، بل في القدرة المعلنة على جعل الحدود غير فاعلة. فالباب المغلق يُفتَح بالقوة، والجدار يُثقَب، والمنزل يُحوَّل إلى موقع، وغرفة النوم إلى خلفية لصورة عسكرية. لا تعرض هذه الممارسات أداة الاختراق وحدها، بل تعرض نجاح السلطة في إلغاء المسافة بين ذاتها وما كان يمتلك استقلالاً عنها، تماماً كما هي العلاقة بين طرفَي البنية البورنوغرافية⁴¹. ولذلك يصبح البيت المخترق، لا السلاح منفرداً، علامة على السيادة: إنه الدليل المادي على أن السلطة استطاعت الوصول إلى الداخل وإعادة تعريفه وفقاً لصورتها.
تتداخل هذه البنية مع التاريخ الأوسع للعنف العسكري بوصفه مجالاً لإنتاج الذكورة السياسية. فقد ارتبطت السيطرة على الأرض والسكان، في حالات استعمارية وحربية متعددة، بلغة جنسية تجعل الأرض أنثى تُفتَح أو تُخصَّب أو تُمتلَك، وتجعل الغزو إثباتاً للفحولة والقوة. لكن استعارة الأرض/المرأة تحمل خطر إعادة إنتاج التصور الأبوي نفسه الذي تنقده، لأنها قد تحول الجسد الأنثوي إلى رمز للمكان وتطمس الخبرات الفعلية للنساء. الأدق هنا هو تحليل الكيفية التي تستخدم بها السلطة هذه الرموز، لا تبنيها بوصفها حقيقة عن العلاقة بين المرأة والأرض.
خامساً: المحو (Erasure)
في هذه العلاقة المركبة بين العمارة والإباحية والشهوة، لا يبدأ المحو عند سقوط المبنى، ولا يكتمل بتحويله إلى ركام وخرائب. فقد يُهدم بناء ويبقى حاضراً في الذاكرة، وفي الخرائط، وفي أسماء الشوارع، وفي رغبة سكانه في العودة وإعادة البناء. (لنا هنا أن نتذكر السوق القديمة في وارسو في بولندا بعد الحرب العالمية الثانية، وجسر ستاري موست في سراييفو، ومسجد النوري ومنارته الحدباء في العراق، وأخيراً غزة). المقصود بالمحو هنا عملية أوسع تسعى إلى قطع العلاقة بين الجسد والمكان، بحيث لا يُفقَد المبنى بوصفه مادة فحسب، بل تُستهدَف أيضاً الشروط التي تسمح باستعادته، وتذكّره، والعودة إليه، وإعادة إنتاج الحياة التي كان يحتضنها. لذلك يختلف المحو عن الدمار العارض أو الضرر الملازم للقتال والمواجهات العسكرية؛ إنه تحويل منظم للمكان من عالم اجتماعي قابل للاستمرار إلى مساحة يُعاد تعريفها كما لو أن الحياة السابقة لم تكن موجودة فيها أصلاً⁴².
الانكشاف يجعل العمارة قابلة للرؤية والتداول، والتشيؤ يفصلها عن العلاقات الاجتماعية التي تمنحها معناها، والامتلاك يخضعها لإرادة من يقرر استعمالها وحدود الوصول إليها، فيما ينتهك الاختراق استقلال داخلها. أما المحو فيتدخل في إمكان استمرار العلاقة نفسها بين الجسد والمكان
تكتسب هذه الآلية معناها من الآليات التي سبقتها. فالانكشاف يجعل العمارة قابلة للرؤية والتداول، والتشيؤ يفصلها عن العلاقات الاجتماعية التي تمنحها معناها، والامتلاك يخضعها لإرادة من يقرر استعمالها وحدود الوصول إليها، فيما ينتهك الاختراق استقلال داخلها. أما المحو فيتدخل في إمكان استمرار العلاقة نفسها بين الجسد والمكان. لا يعود المطلوب رؤية البيت أو السيطرة عليه أو الدخول إليه/ولوجه، بل إنهاء قدرته على أن يكون بيتاً، وعلى أن يوفر نقطة يمكن أن تتجمع حولها الذاكرة والقرابة والحياة اليومية الشخصية. بهذا المعنى، يمثل المحو الصيغة الحدّية للاقتصاد البورنوغرافي للعمارة: فموضوع الرغبة الذي جرى كشفه وتشيؤه وامتلاكه واختراقه يصبح، في النهاية، قابلاً للإزالة عندما تغدو إزالته نفسُها وسيلةً لإثبات السيادة وإعادة إنتاجها.
ولا يتخذ المحو صورة واحدة. قد يعمل من خلال القصف والنسف والتجريف، لكنه قد يُنتَج أيضاً بالقانون، والتخطيط، وخطاب التطوير والإعمار، أو منع البناء، ومصادرة الأرض، وتغيير أسماء الأماكن، وإغلاق الطرق، وإسقاط حقوق الملكية، وتعطيل العودة، وإعادة تصنيف المناطق عبر الخرائط. وقد يبقى المبنى واقفاً فيما تُمحى وظيفته الاجتماعية، كأن يتحول البيت إلى منشأة عسكرية، أو يُطرَد سكان حي كامل أو منطقة كاملة وتُعاد صياغتها للسياحة والاستثمار (جزيرة الوراق في القاهرة ومثلث ماسبيرو قبلها)، أو تُفصَل الأرض عن طرق الوصول والمياه والخدمات التي تجعل السكن فيها ممكناً. لذلك لا ينبغي اختزال المحو في لحظة الانفجار. الانفجار قد يكون أكثر مشاهده وضوحاً، لكن التخطيط هو الذي يمنح الخراب استمراره، ويحوّل الحدث العنيف إلى ترتيب مكاني طويل الأمد⁴³.
في هذه الحالة لا تأتي إعادة الإعمار بعد المحو بوصفها نقيضاً له، بل قد تصبح إحدى أدواته، إذ تُستخدَم لغة الإعمار لإعادة بناء المكان وفق نظام سكاني وطبقي وسياسي مختلف عن النظام الذي دمّرته الحرب، وخاضع لعلاقات القوى الجديدة
هنا تظهر العلاقة الوثيقة بين المحو والتخطيط الحضري. فالخريطة التي تحدد «منطقة عازلة»، أو «قطاعاً أمنياً»، أو «منطقة إعادة تطوير»، لا تصف المكان فحسب، بل قد تنشئ شروط إخلائه وإعادة توزيعه. وتستطيع المخططات التنظيمية أن تفعل ما تفعله الأسلحة: تفصل السكان عن الأرض، وتقطع استمرارية الأحياء، وتلغي الملكيات التي لا تتناسب مع المشروع الجديد، وتنتج سكاناً مؤقتين أو غير معترَف بحقوقهم. وفي هذه الحالة لا تأتي إعادة الإعمار بعد المحو بوصفها نقيضاً له، بل قد تصبح إحدى أدواته، إذ تُستخدَم لغة الإعمار لإعادة بناء المكان وفق نظام سكاني وطبقي وسياسي مختلف عن النظام الذي دمّرته الحرب، وخاضع لعلاقات القوى الجديدة. تفسر هذه العلاقة لماذا لا تكفي إعادة تشييد المباني لإبطال المحو. فقد يعود الجدار ولا يعود البيت، وقد تُفتَح الطرق من دون أن يعود المجتمع الذي منحها إيقاعه، وقد يُبنى مشروع سكني جديد فوق حي مدمَّر من دون أن يملك سكان الحي السابقون حق الرجوع إليه. إن إعادة البناء التي تنفصل عن حق العودة، واستعادة الملكية، وحفظ الذاكرة الفردية والمشتركة، وإشراك السكان في تحديد مستقبل المكان، قد تعيد إنتاج العمران المادي فيما تستكمل إزالة المدينة الاجتماعية.
ولهذا يختلف المحو العمراني عن مفهوم «التدمير» كوصف مادي. يسمح مفهوم الإبادة العمرانية (urbicide) بفهم استهداف المدينة بوصفها شرطاً للحياة المشتركة، لا بوصفها مجموعاً من المنشآت. فالمدينة لا تتكون من كثافة المباني وحدها، بل من إمكان اجتماع المختلفين، وتراكم الذاكرة، واستمرار المؤسسات، وتشابك الاعتماد المتبادل بين البيت والسوق والمدرسة والمستشفى والشارع. وحين تُهاجَم هذه الشبكة على نحو يجعل استمرار الاجتماع نفسه متعذراً، فإن العنف يتجه إلى «العمراني» في المدينة، لا إلى مادتها فقط⁴⁴.
غير أن مفهوم الإبادة العمرانية يظل قاصراً إذا فُصِل عن الجسد وعن المشروع السياسي الذي يحدد الأجساد المستهدفة ومحمولاتها وقيمها السياسية والثقافية وحتى الأدائية. فالمدينة لا تُمحى في فراغ، ولا تتلقى جميع الأجساد الخراب والهدم بالكيفية نفسها. (لنا هنا أن نتذكر حين هدمت أحياء في منطقة دار السلام في القاهرة 2021، ضمن مشروع تطوير الطريق الدائري. إذ قام أهالي المناطق المهدمة بإعادة وضع أثاث بيوتهم على الركام ومارسوا حياتهم العادية قبل أن تأتي قوى الأمن لتقبض عليهم⁴⁵). يتحدد معنى المحو وفق من يُهجَّر، ومن يُمنَع من العودة، ومن يُعترَف بذاكرته وملكيته، ومن يُقدَّم وجوده بوصفه عقبةً أمام الأمن أو التطوير أو المستقبل. ولهذا ينبغي قراءة المحو في السياقات الاستعمارية بوصفه عملية إقليمية (مجالية) وسكانية معاً: إنه لا يزيل المكان ثم يتركه خالياً، بل يهيئه لإعادة التملك، أو لإنتاج ترتيب ديموغرافي جديد، أو لجعل وجود الجماعة الأصلية فيه أكثر هشاشة واستحالة. ويقترب هذا من منطق «الإزالة» في الاستعمار الاستيطاني، حيث لا يُفهَم التخلص من السكان الأصليين بوصفه حدثاً واحداً، بل بوصفه بنية مستمرة تُمارَس بالتهجير، والقانون، والتقسيم، والاستيعاب، والعنف المباشر⁴⁶.
حين يُدمَّر المستشفى لا يُفقَد سرير أو جهاز فحسب، بل تُهاجَم قدرة المجتمع على إصلاح أجساده. وحين يُمحى البيت، لا يُفقَد مكان النوم فقط، بل نقطة البداية التي تتفرع منها العلاقات اليومية وطرق العودة وحكايات العائلة
تكشف غزة الكثافة القصوى لهذا المنطق. فالاستهداف الواسع للمساكن، والجامعات، والمستشفيات، ودور العبادة، والأسواق، وشبكات المياه والطرق لا ينتج جمعاً من المباني المتضررة فحسب، بل يهاجم البنية المتكاملة التي تسمح للحياة المدنية بالاستمرار. ووفق تحليل صور الأقمار الصناعية الذي نشره مركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية في أغسطس/آب 2025، أظهرت الصور الملتقطة في يوليو/تموز من العام نفسه تضرر نحو 192,812 مبنى، أي قرابة 78% من منشآت القطاع، وصنّف المركز أكثر من 102 ألف منشأة بوصفها مدمرة، مع تأكيده أن التحليل أولي ولم يُتحقَّق منه ميدانياً. لا تكمن دلالة هذه الأرقام في حجم الخسارة المادية وحده، بل في اتساع المجال الذي باتت فيه العودة إلى الحياة اليومية مشروطة بإعادة بناء شبكات كاملة من السكن والعلاج والتعليم والتنقل والخدمات والذاكرة. ولا يعمل الخراب هنا على المستوى الأفقي وحده. فإزالة حي كامل تقطع العلاقات بين البيت والشارع والجيران والمدرسة والسوق، بينما يؤدي تدمير المعالم العامة والأرشيفات والمباني التاريخية إلى إضعاف قدرة المجتمع على تحديد نفسه زمنياً. إن المحو فعل ضد المستقبل بقدر ما هو فعل ضد الماضي، لأنه لا يهدف فقط إلى إزالة ما كان قائماً، بل إلى تقليص عدد العوالم التي يمكن بناؤها بعد الخراب. حين تختفي المدرسة لا تُفقَد غرفها فقط، بل يتعطل الزمن المستقبلي الذي كانت تنظمه. وحين يُدمَّر المستشفى لا يُفقَد سرير أو جهاز فحسب، بل تُهاجَم قدرة المجتمع على إصلاح أجساده. وحين يُمحى البيت، لا يُفقَد مكان النوم فقط، بل نقطة البداية التي تتفرع منها العلاقات اليومية وطرق العودة وحكايات العائلة.
يساعد مفهوم الوحشية عند الفيلسوف أشيل مبيمبي (1957) على توسيع هذه القراءة. إذ يقول في كتابه «Brutalism» بنسخته المترجمة إلى الإنجليزية الصادرة عام (2024): «أستعير مفهوم الوحشية من التفكير الهندسي»⁴⁷. لا يستخدم مبيمبي الوحشية بوصفها طرازاً معمارياً فحسب، بل اسماً لمنطق معاصر تتشابك فيه عمليات الإنتاج والهدم والتجريد. فالرأسمالية التقنية لا تبني عالماً ثم تدمره عرضاً؛ إنها تنتج من خلال التفكيك، وتسحق المواد والأجساد والبيئات لكي تعيد تشكيلها بوصفها عناصر قابلة للتعديل والاستبدال. بهذا المعنى، لا يمثل الخراب توقفاً للإنتاج الرأسمالي والاستعماري، بل شكلاً إنتاجياً منه. ويمكن للإبادة العمرانية أن تولد الأرض التي سيُقام عليها المشروع المقبل، والفراغ الذي ستدّعي السلطة أنه ينتظر التخطيط، والسكان الذين سيُعاد تصنيفهم بوصفهم لاجئين أو نازحين أو غير ذلك. ومن هنا تتصل الإباحية المعمارية بمنطق الوحشية: كلاهما ينتزع الشيء من علاقاته، ويعرضه بوصفه مادة قابلة للتصرف، ثم يُخضعه لإلزام لا ينتهي بإعادة الإنتاج ودورة الإنتاج. في الاقتصاد البورنوغرافي، لا تكمن المتعة في امتلاك الموضوع فقط، بل في القدرة على إظهاره وتغييره واستهلاكه والتخلص منه، وإنتاج غيره عبر الجسد. ويضيف المحو إلى هذه الدورة لذة سياسية خاصة: لذة إعلان القدرة على إنهاء العالم الذي كان الآخر يسكنه، ثم تقديم الخراب بوصفه دليلاً على السيطرة أو بوصفه صفحة بيضاء لمستقبل جديد. لكن وصف المحو بأنه «لذة» لا يعني تحويله إلى حالة نفسية أو افتراض أن جميع الفاعلين يستمتعون بالتدمير بالمعنى الفردي. المقصود أن المؤسسات العسكرية والسياسية والإعلامية تستطيع إنتاج قيمة رمزية من الخراب: يُعرَض المبنى المنهار دليلاً على النصر، وتُقدَّم المنطقة المفرغة بوصفها إنجازاً أمنياً، وتتحول الخريطة المُعاد رسمها إلى برهان على قدرة السلطة على فرض واقع جديد. هنا لا تقع اللذة وحدها داخل الفاعل نفسه فحسب، بل في الجهاز الذي يحول الدمار إلى اعتراف بالسيادة، وإلى صورة قابلة للتداول، وإلى أساس لقرارات تخطيطية لاحقة.
ويكشف هذا عن العلاقة الدائرية بين الآليات الخمس. فالخراب ينتج انكشافاً جديداً: تنفتح البيوت المدمرة وتظهر طبقاتها الداخلية. ثم تتعرض البقايا للتشيؤ: تُصنَّف أضراراً، أو أنقاضاً، أو قطع أرض. ويأتي الامتلاك ليعيد تحديد من يملك حق التصرف فيها. أما الاختراق فيستمر من خلال أعمال البحث والمراقبة والتنقيب وإعادة رسم الحدود. ثم يعمق المحو هذه الدورة، قبل أن تبدأ من جديد في صور إعادة الإعمار والعروض الرقمية والمشاريع الاستثمارية. لذلك لا تسير الآليات في خط مستقيم، بل تعمل بوصفها اقتصاداً دائرياً يعيد إنتاج الرغبة والسلطة عبر البناء والهدم معاً.
من هنا لا يمثل المحو خاتمة مغلقة للاقتصاد البورنوغرافي للعمارة، بل الموقع الذي يتكشف عنده تناقضه الأساسي. فالسلطة تريد إزالة المكان بما يحمله من مقاومة وذاكرة، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى صور تدميره لكي تعلن قدرتها عليه؛ تريد تحويله إلى غياب، لكنها تبقيه حاضراً بوصفه مشهداً للسيادة. وفي هذه الفجوة بين الغياب المادي والحضور السياسي تنشأ إمكانية مضادة: أن يُقرَأ الركام لا بوصفه نهاية المدينة، بل بوصفه أثراً يكشف الجريمة، ويحفظ مطالبة السكان بالمكان، ويمنع المحو من التحول إلى حقيقة نهائية.
العمارة بوصفها علاقة: العمارة والجسد
تتيح السينما إمكاناً خاصاً لفهم تشابك العلاقة بين العمارة والجسد والمدينة؛ لا لأنها تمثل الواقع أو تشرحه، وإنما لأنها تكشف العلاقات التي يصعب على المفهوم المجرد أن يُظهرها في حركتها الحية والمتراكبة. فإذا كانت العمارة تنظم علاقة الجسد بالمكان، فإن السينما قادرة على إعادة بناء هذه العلاقة زمناً بعد زمن، وحركة بعد حركة، بحيث تظهر السلطة، والرغبة، والذاكرة، والعنف، لا بوصفها مفاهيم منفصلة، بل بوصفها عناصر تتشكل معاً داخل التجربة المعمارية نفسها، بما هي مادة للبناء والتركيب، تماماً كما هي السينما⁴⁸. ومن هذا المنظور، لا يُستدعى فيلم «The Brutalist» المُنتَج عام (2024) للمخرج برادي كوربيت، لأنه يقدم تاريخاً للعمارة، أو لأنه يعرض تجربة معمارية دقيقة، بل لأنه يطرح، على نحو درامي، السؤال الذي انطلقت منه هذه الدراسة: ما العلاقة التي تربط الجسد بالعمارة؟
الفيلم يحكي قصة معماري يهودي، لازلو توث (لعب دوره باقتدار آدريان برودي، وحصل عنه على الأوسكار). يهاجر توث من ألمانيا إلى الولايات المتحدة هرباً من النازية. وقد انشغل كثير من النقاد بمناقشة أخطاء الفيلم التاريخية، أو بمدى دقة تمثيله للحداثة والعمارة الوحشية، غير أن أهمية الفيلم لا تكمن في دقته التاريخية، وإنما في كشفه أن العمارة لا تُنتَج خارج شبكة معقدة من السلطة، ورأس المال، والرعاية، والهجرة، والصدمة. ولهذا لا يصبح المبنى بطل الفيلم الحقيقي، بل العلاقة التي تجعل إنتاجه ممكناً. وقد لاحظ عدد من النقاد أن الفيلم يتناول، في جوهره، علاقة الفنان بالمؤسسة والرأسمالية أكثر مما يتناول العمارة نفسها، وأن شخصية لازلو توث تعمل وسيطاً لفهم التوتر بين الإبداع والسلطة، لا بوصفها إعادة بناء دقيقة لسيرة معماري بعينه⁴⁹.
ومن هذه الزاوية، لا تبدو شخصية لازلو توث مجرد معماري مهاجر يسعى إلى استعادة مهنته بعد الحرب، بل جسداً يُعاد استثماره داخل الاقتصاد الذي ينتج العمارة. فمنذ وصوله إلى الولايات المتحدة، لا يُطلَب منه أن يقدم مشروعاً معمارياً فحسب، بل أن يضع خبرته، وذاكرته، وطاقته الإبداعية، في خدمة الراعي الذي يملك المال، والأرض، وإمكان تحويل الفكرة إلى بناء. وهكذا لا تقوم العلاقة بين المعماري والراعي على التعاقد المهني وحده، بل على تفاوت بنيوي في السلطة، يجعل العمارة نفسها نتاج علاقة غير متكافئة بين من يملك القدرة على التخيل، ومن يملك القدرة على التمويل⁵⁰. وتبلغ هذه العلاقة ذروتها في مشهد الاعتداء الجنسي الذي يتعرض له لازلو على يد راعيه رجل الأعمال هاريسون فان بورين. ولا يُستدعى هذا المشهد هنا بوصفه صدمة درامية معزولة، ولا بوصفه اختزالاً للعلاقة بين الفن ورأس المال، بل لأنه يكشف، في لحظة مكثفة، المنطق الذي كان يعمل منذ بداية الفيلم. الاغتصاب لم يكن فعلاً جنسياً بالمعنى الضيق، وإنما ممارسة قصوى للهيمنة، تنتقل فيها علاقة السيطرة من العمارة إلى الجسد ذاته، الذي يتعرض للآليات المذكورة أعلاه كلها. وإذا كانت العمارة تمثل الامتداد الأكثر مادية للجسد في العالم، فإن اغتصاب المعماري يغدو، في هذا السياق، الوجه الآخر لامتلاك العمارة نفسها؛ فكلاهما يخضع لمنطق يجعل الإبداع، والجسد، والمكان، موضوعات قابلة للاستثمار والسيطرة⁵¹. ومع ذلك، فإن الفيلم يتوقف عند حدود هذه العلاقة. فهو يجعل المعماري موضوعاً للرغبة. وتظل المدينة، والمبنى، والفضاء العمراني، في نهاية المطاف، امتداداً لسيرة لازلو الشخصية، أكثر من كونها موضوعاً مستقلاً للتحليل.
وهنا علينا أن نتأمل في مفارقة الفيلم. فإذا كان «The Brutalist» يكشف كيف يمكن أن يصبح المعماري موضوعاً لاشتهاء رأس المال، فإن ما تكشفه التجربة العربية خلال العقد الأخير هو تحول أكثر جذرية؛ إذ لم يعد الاستثمار الليبيدي يتركز في المعماري وحده، بل انتقل إلى العمارة ذاتها. أصبح المبنى، والحي، والمدينة، والخراب، موضوعات للرغبة السياسية، تُبنى لأنها تُشتهى، وتُهدَم لأنها تُشتهى أيضاً. ومن ثم، فإن السؤال لم يعد يتعلق بعلاقة الفنان بالراعي، وإنما بالعلاقة التي تجعل أجسادنا، وكذلك المدينة نفسها موضوعاً للامتلاك، والاستعراض، والاختراق، والمحو.
بعد وفاة لازلو، تقدّم ابنة أخيه زوفيا خطاباً في بينالي البندقية عام 1980، في محاولة لإعادة كتابة حياته ومعماره معاً. تشير زوفيا إلى أن الكتل الخرسانية التي أثارت كثيراً من النقد، ما عادت مجرد تعبير عن نزعة وحشية أو ولع بالشكل، وإنما أصبحت محاولة لإعطاء المادة هيئة تستطيع أن تحمل ثقل الذاكرة، وأن تمنح الصدمة شكلاً معمارياً قابلاً للإقامة والتجربة. وتفسر زوفيا مشروع مركز فان بيورين بوصفه إعادة تركيب مكانية لتجربة لازلو في معسكري بوخنفالد وداخاو؛ فالخرسانة، والثقل، والفراغات، ومسارات الحركة، وسقوط الضوء، لا تُقدَّم بوصفها قرارات تصميمية، وإنما بوصفها وسائط لإجبار الجسد على عبور تجربة التذكر، بحيث يغدو المبنى نفسه جهازاً لإنتاج الذاكرة لا مجرد وعاء لها، والشاهد الوحيد الذي بقي بعد انقضاء الجسد.
الفيلم لا يتيح للمشاهد طوال سرده أن يسمع لازلو يشرح مشروعه، ولا يربط، بصورة صريحة، بين تصميم مركز فان بيورين وتجربة الاعتقال في بوخنفالد أو داخاو، كما تدّعي ابنة أخيه. لا تظهر هذه القراءة إلا في المشهد الختامي، بعد وفاة لازلو، على لسان زوفيا. ولذلك يبدو الخطاب، في أحد مستوياته، وكأنه يعيد تأويل حياة المعماري بأثر رجعي، فيمنحها وحدة أخلاقية وتفسيرية لم تكن متاحة أثناء سير الأحداث. وقد لاحظ عدد من النقاد أن الفيلم ينتهي إلى تثبيت معنى نهائي للمبنى، بعد أن ظل طوال زمنه السردي يقاوم أي تفسير مكتمل. ولكن ما يستوقف هذه الدراسة ليس الخطاب التأويلي حول الخرسانة أو الوحشية، بل العلاقة التي يقيمها الفيلم، من دون أن يصرح بها، بين الجسد والعمارة. فمنذ المشاهد الأولى، لا يظهر لازلو بوصفه معمارياً مجرداً، بل بوصفه جسداً يتعرض باستمرار لأشكال متراكبة من العنف؛ جسد لاجئ اقتُلِع من وطنه، وناجٍ من معسكرات الاعتقال، وعامل يعيش على هامش المجتمع الأمريكي، ومدمن يحاول تخدير ذاكرته، ثم جسد يتعرض للإهانة والاغتصاب، قبل أن ينتهي إلى الشيخوخة والإنهاك. وفي المقابل، يزداد المبنى رسوخاً كلما ازداد الجسد هشاشة. وهنا لا تبدو العمارة إنجازاً يتحقق على الرغم من تدمير الجسد، وإنما تتحقق من خلاله. يصبح الجسد، في صمته وآلامه واستنزافه، المادة الأولية غير المرئية التي يقوم عليها المشروع المعماري، بينما تحتفظ الخرسانة بصفة الديمومة التي حُرِم منها صاحبها. ومن هذه الزاوية، يقترب الفيلم، من حيث لا يقصد ربما، من الأطروحة التي طورتها إيلين سكاري حول العلاقة بين الألم وإنتاج العالم المادي؛ إذ لا يبقى الألم تجربة فردية، بل يتحول إلى بنية تُشيَّد فوقها المؤسسات، والأشياء، والعمارة ذاتها.
¹ Guy Debord, The Society of the Spectacle, trans. Donald Nicholson-Smith (New York: Zone Books, 1994), 1–34
² Sara Ahmed, The Cultural Politics of Emotion, 2nd ed. (Edinburgh: Edinburgh University Press, 2014)
³ Vitruvius, The Ten Books on Architecture, trans. Morris Hicky Morgan (New York: Dover Publications, 1960 [1914]), Book I, chap. 3.
⁴ Louis Sullivan، “The Tall Office Building Artistically Considered” (1896)؛ وانظر أيضًا Adrian Forty، Words and Buildings: A Vocabulary of Modern Architecture (London: Thames & Hudson, 2000)، مدخل “Function”.
⁵ Henri Lefebvre, The Production of Space (Oxford: Blackwell, 1991)؛ Michel Foucault, Discipline and Punish: The Birth of the Prison (New York: Vintage Books, 1977)
⁶ Maurice Merleau-Ponty, Phenomenology of Perception, trans. Donald A. Landes (London: Routledge, 2012), 10.
⁷ Henri Lefebvre, The Production of Space (Oxford: Blackwell, 1991)؛ Gilles Deleuze and Félix Guattari, A Thousand Plateaus: Capitalism and Schizophrenia, trans. Brian Massumi (Minneapolis: University of Minnesota Press, 1987).
⁸ Gilles Deleuze and Félix Guattari, Anti-Oedipus: Capitalism and Schizophrenia, trans. Robert Hurley, Mark Seem, and Helen R. Lane (Minneapolis: University of Minnesota Press, 1983), 1–50؛ Leo Bersani, The Freudian Body: Psychoanalysis and Art (New York: Columbia University Press, 1986).
⁹ Henri Lefebvre, The Production of Space, trans. Donald Nicholson-Smith (Oxford: Blackwell, 1991)؛ David Harvey, Spaces of Capital: Towards a Critical Geography (New York: Routledge, 2001).
¹⁰ Guy Debord, The Society of the Spectacle, trans. Donald Nicholson-Smith (New York: Zone Books, 1994), 1–34؛ Paul Virilio, War and Cinema: The Logistics of Perception, trans. Patrick Camiller (London: Verso, 1989).
¹¹ Martha C. Nussbaum, “Objectification,” Philosophy & Public Affairs 24, no. 4 (1995): 249–291؛ Sandra Lee Bartky, Femininity and Domination: Studies in the Phenomenology of Oppression (New York: Routledge, 1990).
¹² Paul B. Preciado, Testo Junkie: Sex, Drugs, and Biopolitics in the Pharmacopornographic Era, trans. Bruce Benderson (New York: Feminist Press, 2013)؛ Jean Baudrillard, Symbolic Exchange and Death, trans. Iain Hamilton Grant (London: Sage, 1993).
¹³ Alberto Pérez-Gómez, Built upon Love: Architectural Longing after Ethics and Aesthetics (Cambridge, MA: MIT Press, 2006)
¹⁴ Neil Leach, ed., Rethinking Architecture: A Reader in Cultural Theory (London: Routledge, 1997); Beatriz Colomina, Privacy and Publicity: Modern Architecture as Mass Media (Cambridge, MA: MIT Press, 1994).
¹⁵ Paul B. Preciado, Pornotopia: An Essay on Playboy’s Architecture and Biopolitics (New York: Zone Books, 2014).
¹⁶ Alain Badiou, The Pornographic Age, trans. David Macey (Cambridge: Polity, 2012)؛ Nadir Lahiji, Architecture in an Age of Pornography (Farnham: Ashgate, 2014)
¹⁷ Alain Badiou, The Pornographic Age, trans. and ed. A. J. Bartlett and Justin Clemens (London: Bloomsbury Academic, 2020), 1–20.
¹⁸ Alain Badiou, “The Democratic Emblem,” in Democracy in What State?, by Giorgio Agamben et al., trans. William McCuaig (New York: Columbia University Press, 2011), 6–15؛ وانظر أيضًا Alain Badiou, “A Speculative Disquisition on the Concept of Democracy,” in Metapolitics, trans. Jason Barker (London: Verso, 2005), 78–90
¹⁹ Badiou, The Pornographic Age, 2–17؛ A. J. Bartlett and Justin Clemens, “Minus Something Indefinable,” afterword to Badiou, The Pornographic Age, 21–31.
²⁰ Jacques Lacan, Formations of the Unconscious: The Seminar of Jacques Lacan, Book V, ed. Jacques-Alain Miller, trans. Russell Grigg (Cambridge: Polity, 2017), 161؛ Nadir Lahiji, Architecture in the Age of Pornography: Reading Alain Badiou (Abingdon: Routledge, 2022), 45–48.
²¹ Nadir Lahiji, Architecture in the Age of Pornography: Reading Alain Badiou (Abingdon, UK: Routledge, 2022), 45.
²² Lahiji, Architecture in the Age of Pornography,54.
²³ Guy Debord, The Society of the Spectacle, trans. Donald Nicholson-Smith (New York: Zone Books, 1994), 50.
²⁴ Beatriz Colomina, Privacy and Publicity: Modern Architecture as Mass Media (Cambridge, MA: MIT Press, 1994), 13-20.
²⁵ Lahiji, Architecture in the Age of Pornography, 67–82؛ Beatriz Colomina, Privacy and Publicity, 229–280.
²⁶ Byung-Chul Han, The Transparency Society, trans. Erik Butler (Stanford, CA: Stanford University Press, 2015), 1–24; Beatriz Colomina, Privacy and Publicity: Modern Architecture as Mass Media (Cambridge, MA: MIT Press, 1994), 229–280.
²⁷ Keller Easterling, Extrastatecraft: The Power of Infrastructure Space (London: Verso, 2014), 15–52.
²⁸ Paul Virilio, War and Cinema: The Logistics of Perception, trans. Patrick Camiller (London: Verso, 1989), 1–32؛ Eyal Weizman, Hollow Land: Israel’s Architecture of Occupation, new ed. (London: Verso, 2017), 185–236.
²⁹ Martha C. Nussbaum, “Objectification,” Philosophy & Public Affairs 24, no. 4 (1995): 249–291.
³⁰ Henri Lefebvre, The Production of Space, trans. Donald Nicholson-Smith (Oxford: Blackwell, 1991), 26–46؛ Maurice Merleau-Ponty, Phenomenology of Perception, trans. Donald A. Landes (London: Routledge, 2012), 139–161.
³¹ Keller Easterling, Extrastatecraft: The Power of Infrastructure Space (London: Verso, 2014), 15–52.
³² Eyal Weizman, Hollow Land: Israel’s Architecture of Occupation (London: Verso, 2017), 185–200؛ Achille Mbembe, Brutalism (Durham, NC: Duke University Press, 2024)
³³ Cheryl I. Harris, “Whiteness as Property,” Harvard Law Review 106, no. 8 (1993): 1707–1791؛ David Harvey, Justice, Nature and the Geography of Difference (Oxford: Blackwell, 1996), 327–348.
³⁴ Henri Lefebvre, The Production of Space, trans. Donald Nicholson-Smith (Oxford: Blackwell, 1991), 73–90.
³⁵ David Sims, Understanding Cairo: The Logic of a City Out of Control (Cairo: The American University in Cairo Press, 2012)؛ Yasser Elsheshtawy, Cairo: Histories of a City (Cambridge, MA: Harvard University Press, 2020)؛ Mona Fawaz, “Neoliberal Urbanity and the Right to the City in Beirut”؛ Joseph Daher, Syria after the Uprisings: The Political Economy of State Resilience (London: Pluto Press, 2019)؛ Leila Vignal, “The Changing Borders and Borderlands of Syria in a Time of Conflict,” International Affairs 93, no. 4 (2017): 809–827.
³⁶ Paul Connerton, How Modernity Forgets (Cambridge: Cambridge University Press, 2009), 60.
³⁷ Henri Lefebvre, The Production of Space, trans. Donald Nicholson-Smith (Oxford: Blackwell, 1991),90 -100؛ Beatriz Colomina, Privacy and Publicity: Modern Architecture as Mass Media (Cambridge, MA: MIT Press, 1994), 80-100.
³⁸ Gaston Bachelard, The Poetics of Space, trans. Maria Jolas (Boston: Beacon Press, 1994), 3–20؛ Paul Connerton, How Societies Remember (Cambridge: Cambridge University Press, 1989), 72–76؛ Alberto Pérez-Gómez, Attunement: Architectural Meaning after the Crisis of Modern Science (Cambridge, MA: MIT Press, 2016).
³⁹ Stephen Graham, Cities Under Siege: The New Military Urbanism (London: Verso, 2010), 1–35؛ Eyal Weizman, Hollow Land: Israel’s Architecture of Occupation, new ed. (London: Verso, 2017), 79–90.
⁴⁰ Jacques Lacan, Formations of the Unconscious: The Seminar of Jacques Lacan, Book V, ed. Jacques-Alain Miller, trans. Russell Grigg (Cambridge: Polity, 2017),65; Nadir Lahiji, Architecture in the Age of Pornography: Reading Alain Badiou (Abingdon, UK: Routledge, 2022), 45–48.
₄₁ Susan Brownmiller, Against Our Will: Men, Women and Rape (New York: Simon & Schuster, 1975), 27–56؛ Klaus Theweleit, Male Fantasies, vol. 1, Women, Floods, Bodies, History, trans. Stephen Conway (Minneapolis: University of Minnesota Press, 1987).
Paul B. Preciado, Pornotopia: An Essay on Playboy’s Architecture and Biopolitics, trans. Bruce Benderson (New York: Zone Books, 2014), 15–43؛ Judith Butler, Frames of War: When Is Life Grievable? (London: Verso, 2009), 1–20.
₄₂ Martin Coward, Urbicide: The Politics of Urban Destruction (London: Routledge, 2009), 35.
₄₃ Stephen Graham, ed., Cities, War, and Terrorism: Towards an Urban Geopolitics (Malden, MA: Blackwell, 2004)؛ Eyal Weizman, Hollow Land: Israel’s Architecture of Occupation, new ed. (London: Verso, 2017), 1–15, 185–236.
₄₄ عبدالله البياري، «من أين تبدأ الإبادة المدينية؟: مدخل مقارن لفهم سياسات المحو المكاني في منظومة الاحتلال الإسرائيلي، غزة انتهاءً»، إضافات: المجلة العربية لعلم الاجتماع، العدد 65 (صيف 2024): 141–170.
₄₅ محمود كساب، «بدء أعمال “الإزالة” لتوسعة “الطريق الدائري” في دار السلام»، بوابة أخبار اليوم الإلكترونية، 22 مايو/أيار 2021، بوابة أخبار اليوم الإلكترونية
₄₆ Patrick Wolfe, “Settler Colonialism and the Elimination of the Native,” Journal of Genocide Research 8, no. 4 (2006): 387–409؛ Lorenzo Veracini, Settler Colonialism: A Theoretical Overview (Basingstoke: Palgrave Macmillan, 2010), 16–52.
₄₇ Achille Mbamba, Brutalism, (Durham, Duke University Press, 2024), xii.
₄₈ Giuliana Bruno, Atlas of Emotion: Journeys in Art, Architecture, and Film (New York: Verso, 2002), 1–13؛ Beatriz Colomina, Privacy and Publicity: Modern Architecture as Mass Media (Cambridge, MA: MIT Press, 1994).
₄₉ Brady Corbet, dir., The Brutalist (A24, 2024). انظر أيضًا: Christopher Hawthorne, “Why The Brutalist Isn’t Really About Architecture,” The Yale Review, February 18, 2025؛ Edwin Heathcote, “What the Movies Get Wrong About Architecture,” Financial Times, January 27, 2025.
₅₀ Philip Kennicott, “The Brutalist Gets Architecture Wrong, but It Gets Genius Right,” The Washington Post, January 10, 2025؛ Samuel Medina, “The Brutalist Is an Alluring Bricolage of Avant-Garde Architects and Architecture,” The Architect’s Newspaper, December 19, 2024.
₅₁ Paul B. Preciado, Pornotopia: An Essay on Playboy’s Architecture and Biopolitics, trans. Bruce Benderson (New York: Zone Books, 2014), 15–43