
المدينة العربية باعتبارها نقداً/ضاً لنظرية «نزع الكولونيالية»
خط ٣٠
قبل السابع من أكتوبر كان مصطلح «نزع الكولونيالية Decolonization» واحداً من المصطلحات الأكثر تداولاً في العلوم الإنسانية والاجتماعية، مرتحلاً إلى ميادين أخرى قد تبدو ظاهرياً أبعد، لأنها -تبدو وكأنها- تقنية حصراً؛ ومنها التخطيط الحضري وسياسات الإسكان والبنية التحتية، وغيرها. وحيث إن نظرية نزع الكولونيالية تنبني على نقد المركزية الأوروبية في المعرفة، وتعد بمشروع لإعادة بناء العالم على نحو «تعددي Pluriversality» يقطع مع ميراث الحداثة، بات من الضروري الآن امتحان هذه الادعاءات ونقدها، وهي تنتقل من التنظير إلى الحياة اليومية في مدننا في هذه الحرب!
وإذ يساعدنا التخطيط الحضري، بوصفه جهازاً سلطوياً وممارسة هيمنة لإنتاج المكان وتنظيم السكان (الأجساد) والحركة، على امتحان مقولات نزع الكولونيالية، فإنه كذلك يمتحن قدرة النظرية فعلياً على نزع الكولونيالية من المكان؛ باعتبار الأخير شبكة علاقات وأدوات إنتاج وبُنى مادية ورمزية معاً، نخوضها يومياً بأجسادنا وعليها!
فإذا أريد للتخطيط الحضري أن يكون منزوع الكولونيالية، فلن تكفي إعادة تسمية الأشياء أو توسيع دائرة «الاعتراف» الرمزي بها؛ لأن المدينة تُصاغ عبر قوانين ملكية، وأنظمة تصنيف أراضٍ، وشبكات بنية تحتية، وميزانيات، وشرطة، ومحاكم، وخرائط، ورخص بناء، وإخلاء قسري، وأنظمة تصاريح، وتصميمات معمارية وحضرية. وإذا كانت نزع الكولونيالية تزعم أنها برنامج تحرري قابل للتطبيق، فإن سؤال التخطيط يضعها أمام امتحان مزدوج: هل تقدم النظرية سياسات مادية لمقاومة العنف المكاني – المديني؟ وهل تملك منهجية مادية تفسّر الكيفية التي تنتج بها السلطة المكان وعلاقات القوى فيه، وتنقض هذا التفسير؟
تطرح هذه المداخلة مقاربة نقدية تدّعي أن نظرية نزع الكولونيالية -خصوصاً في أشكالها ومساراتها الأكاديمية- تُنتج نقداً قوياً للخطاب الغربي، لكنها تُخفق في تقديم تحليل تركيبي للعلاقات المادية والمؤسسية التي يديرها الاستعمار والرأسمالية داخل التخطيط الحضري، حتى أنها تتواطأ في كثير من الأحيان مع تلك العلاقات وتضمن لها استمرارية ما. هذا الإخفاق لا يعود فقط إلى «سوء تطبيق» من الممارسين، بل إلى عطب البنية التطبيقية داخل النظرية نفسها: ميلٌ إلى تعميم تاريخ واحد، وتفضيلٌ للاشتغال الإبستمولوجي الخطابي على حساب الاقتصاد السياسي المادي للقوى، وإغراءٌ بتحويل التفكيك إلى استعارة ممتدة، وقابلية عالية للاحتواء داخل مؤسسات الحداثة وخطابها: الجامعة والبحث وغيرها.
تقدم هذه المداخلة تحليلاً يعمل على مستويين مترابطين من النقد/ض:
(1) نقض الأسس المفاهيمية لنزع الكولونيالية حين تُقدَّم باعتبارها إطاراً كونياً شاملاً.
(2) اختبارها تطبيقياً من خلال نماذج تخطيطية نيوليبرالية في بيروت، والقاهرة، وصولاً إلى سياقها الحاسم: حرب الإبادة في غزة باعتبارها سياسة إبادة عمرانية (وهو ما تكاد تتساوى فيه أغلب مدننا العربية!).
غزة هنا هي الحالة الحدّية التي تكشف عوار النظرية وتفرض العودة إلى أسئلة المواجهة، والأرض، والعنف، والسيادة، وإعادة الإعمار التحرري، لمواجهة المشروع الإحلالي القائم على الأرض والسيادة والإقليم والتحكم بالحركة والجسد، وشبكاته في المدينة العربية، حتى لو تتدثر بثوب نزع الكولونيالية.
مقولات نزع الكولونيالية والتخطيط
تُعرِّف نظرية نزع الكولونيالية الاستعمار بوصفه، قبل كل شيء، نظاماً معرفياً وعنصرياً يحدد ما يُعتبر علماً، ومن يُعتبر/ تُعتبر ذاتاً عاقلة، ومن يُختزل إلى موضوع أو هامش. وترتكز النظرية، خصوصاً في خطها اللاتيني-الأمريكي على فكرة «استعمارية السلطة The Coloniality of Power» بوصفها بنية تاريخية مستمرة تتجاوز نهاية الاستعمار التقليدي. في هذا الإطار تُطرح الحداثة بوصفها متلازمة: حداثة – استعمار، وأن ما نعتبره «عقلانية» و«عالمية» و«تقدماً» يحمل في داخله تراتبية عرقية ومعرفية (وهو ما لا نختلف عليه). ينتج عن ذلك مفاهيم مثل «مصفوفة السلطة الاستعمارية The Power Matrix»، و«فك الارتباط الإبستيمي/ المعرفي epistemic delinking»، والدعوة إلى تعددية العوالم بدلاً من عالم واحد. وعليه، فإن المعرفة ليست محايدة، والنظام العالمي يعيد إنتاج مركزية أوروبا/ الغرب عبر المناهج والجامعات ومقاييس الجودة والتمويل ولغة العلم، أي إنّ «استعمارية السلطة» تتحقق عبر الاقتصاد، والمعرفة، والذات (بما هي مفهوم وأداء). ولا خلاف على أن هذا التشخيص أسهم في فضح ادعاءات الحياد والعالمية والتنوير وغيره، وكشف التلازم التاريخي بين تشكّل العلوم الحديثة والمشاريع الإمبريالية والاستعمارية، لكن القوة التشخيصية لا تعني تلقائياً صلاحية البرنامج النظري ليكون إطاراً للتحليل المادي أو منهجاً تطبيقياً في التخطيط.
التخطيط بطبيعته، يفرض أسئلة لا يستطيع خطاب معرفي صرف أن يتجاوزها: من يملك؟ من يقرّر؟ من يهدم؟ من يحرّك/ يُثبّت؟ ومن يدفع ثمن التحول المكاني؟ إنّ وصف مخطط عمراني بأنه «متمركز أوروبياً» لا يفسر لماذا يُهدم حي بعينه أو تُمنح الأرض لمطوِّرٍ دون آخر. هذه العمليات لا تُفهم إلا عبر تحليل الاقتصاد السياسي للتخطيط، وعلاقة الدولة برأس المال، ودور القانون في إنتاج «اللاشرعية» المكانية. إن هذا التركيز الإبستمولوجي/ المعرفي يقود، في كثير من تطبيقاته، إلى تهميش تحليل العنف المادي والمؤسسي؛ ففي التخطيط الحضري، لا تعمل السلطة فقط عبر الخطاب، بل عبر القانون، والميزانية، والخرائط التي تُترجم مباشرة إلى هدم وتهجير وتجريم، وغيره.

خطــ٣٠ // تنشر وفق الحقوق المفتوحة Copyleft
ثلاثة مفاصل لنقد/ض نزع الكولونيالية في المدينة
1- الإزاحة من البنية المادية إلى البنية المعرفية: الإبستمولوجيا باعتبارها تعمية
تُصرّ نظرية نزع الكولونيالية، في كثير من صيغها، على أن الاستعمار يستمر أساساً بوصفه «استعماراً للمعرفة» و«استعماراً للذات» و«استعماراً للوجود». المشكلة ليست في صحة هذه الأبعاد، بل في تحولها إلى مركز ثقل يزيح تحليل الاقتصاد السياسي والعنف المؤسسي إلى الهامش. في التخطيط الحضري، هذا الميل ينتج ما يمكن تسميته بــ«نقد دون جهاز»: نقدٌ للخطاب دون تحليل للآليات التي تجعل الخطاب إنتاجاً فاعلاً للمادي (القانون، المؤسسات، الملكية، التراكم، القوة المسلحة، ورأس المال، والدولة).
حين ندرس مخططاً رئيسياً (Master Plan) يُقصي الفقراء أو يُعيد تنظيم حيٍّ شعبي لصالح الاستثمار ورأس المال، لا يكفي القول إن المعرفة «متمركزة أوروبياً». وإعادة ترسيم خرائط حضرية نازعة للكولونيالية في أستوديوهات معمارية وعمرانية، لا تسائل بنية علاقات الاقتصاد السياسي في المكان، لا يعول عليها هنا، لأنها تقصر فكرة نزع الكولونيالية في الخطاب وتقديم خطاب وصفي لعلاقات القوى. السؤال الأدق: من يمتلك الأرض؟ من يموّل البنية التحتية؟ ما علاقة مؤسسات الدولة بالمطورين؟ كيف يُترجم «التطوير الحضري» إلى سلب وتهجير؟ أين تعمل الشرطة والقضاء والإعلام ولغاتهم، وكيف تتوزع البنية التحتية؟ إن إرجاع هذه العمليات إلى «نظام معرفة» فقط يظل اختزالاً، للكولونيالية في الخطاب. تبدو النظرية هنا قريبة من أشكال نقد ثقافوي يفسر البنية عبر الرموز، بينما التخطيط يعيد إنتاج السلطة عبر بنىً مادية قابلة للرصد والقياس: معدلات إخلاء، خرائط تصنيف، شبكات طرق، ميزانيات، وقواعد وتراخيص.
2- البدايات وعنفها: 1492 تعميم تاريخ موحد بوصفه مفتاحاً كونياً
يحذرنا إدوارد سعيد (1935 – 2003) من البدايات فيقول: «إن مشكلة البدايات هي إحدى المشكلات التي، إذا أتيح لها المجال، ستواجهنا بالشدة نفسها على المستويين العملي والنظري». لأي منظومة معرفية ولأي خطاب لحظة بداية يعاد فيها ترتيب العالم بما يبرر تلك المعرفة وذاك الخطاب ويضمن لهما موقعاً في العالم. فيصبح ما قبل لحظة البداية هو السياق اللازم لحدوث تغير أساسي في العلاقات. وبتطبيق هذا الأمر على نظرية نزع الكولونيالية، نجد أنفسنا أمام لحظة بداية لا فرار منها، تمنح النظرية ككل مجال فاعليتها، وتلك هي لحظة الكولونيالية، بما يستلزم نزعها، لتصبح فاعلية النظرية في النزع لا تتحقق دون الكولونيالية.
تعتمد النظرية، ولا سيما في خطها اللاتيني- الأمريكي، العام 1492 بوصفه لحظة تأسيسية للحداثة/ الاستعمار، حيث يتشكّل النظام العالمي الحديث عبر الغزو، والعنصرية، وإعادة تنظيم العمل والمعرفة. غير أن تحويل هذه اللحظة التاريخية إلى مفتاح تفسيري كوني وحيد ومركزي يقود إلى تعميمٍ إشكالي يُخفي الفروقات البنيوية بين أنماط استعمارية متمايزة تاريخياً ومكانياً وبنيوياً، وحتى خطابياً. هنا يكتسب التخطيط الحضري -باعتباره سياسة مكانية- أهمية تحليلية خاصة، لأنه حقل مشتبك مباشرة مع الزمان/التاريخ والمكان/الجغرافيا والخطاب، ومع أنماط السيطرة على الأرض، والسكان، والحركة، والموارد، ما يجعله يكشف حدود هذا التعميم بوضوح أكبر من الحقول الخطابية الخالصة.
فالتاريخ الاستعماري ليس مساراً واحداً ذا منطق متجانس، بل هو تعدد أنماط تختلف في أهدافها وبناها وآلياتها، حتى وإن تقاطعت أحياناً في أدوات الحكم والخطاب. فالاستعمار الاستغلالي (extractive colonialism)، كما تبلور في أجزاء واسعة من أميركا اللاتينية وأفريقيا، قام أساساً على نهب الموارد والعمل، مع الإبقاء -نسبياً- على السكان الأصليين بوصفهم قوة عمل خاضعة داخل نظام اقتصادي عالمي. في هذا السياق، لعب التخطيط دوراً في تنظيم الاستخراج، والبنية التحتية، والموانئ، وخطوط النقل، بما يخدم تدفق الموارد لا إحلال السكان.
المؤسسة الأكاديمية قادرة على استيعاب نقد المركزية الأوروبية، والاحتفاء بالتعددية المعرفية، وحتى تبنّي لغة «العصيان»، طالما بقي هذا النقد ضمن مستوى الخطاب ولم يتحول إلى مساءلة مادية للبُنى التي تنظّم الملكية، والموارد، والتخطيط، والسيادة فيها. هنا يصبح نزع الكولونيالية جزءاً من اقتصاد المعرفة النقدية، لا تهديداً له.
في المقابل، يختلف الاستعمار الاستيطاني (settler colonialism) اختلافاً جذرياً، إذ يقوم على منطق الإحلال بجانب الاستغلال، وعلى إزالة السكان الأصليين مادياً أو سياسياً بوصفهم عائقاً أمام امتلاك الأرض. هنا لا تكون الأرض مورداً ضمن نظام إنتاج فحسب، بل هي جوهر المشروع الاستعماري نفسه لإنتاج إقليمه. ويغدو التخطيط الحضري والبنية التحتية أدوات مركزية في هذا السياق: من خلال تصنيف الأراضي، ومنع البناء، وإنتاج فضاءات سيادية متدرجة، وبناء شبكات حركة حصرية، بما يحقق ما يمكن وصفه «منطق الإزالة Logic of Elimination». إن إسقاط نموذج 1492 الاستغلالي على هذا النمط الإحلالي يُنتج خلطاً نظرياً يُضعف القدرة على فهم التخطيط بوصفه أداة استعمارية نوعية وسياقية في السياقات الاستيطانية، كما في فلسطين وأستراليا وأميركا الشمالية، وبالتالي يحد من إدراكه على المستوى النظري، ومواجهته على المستوى التطبيقي.
أما الدولة القومية في مرحلة ما بعد الاستعمار، فهي لا تمثل قطيعة مع المنطق الاستعماري بقدر ما تعيد إنتاجه عبر آليات السوق، والديون، والمساعدات الدولية، وشروط «التنمية». هنا يستمر التخطيط الحضري بوصفه أداة لإعادة تنظيم الفضاء وفق منطق نيوليبرالي عالمي، غالباً باسم التحديث أو التنمية، دون وجود استعمار مباشر أو احتلال عسكري. هذا النمط -الذي يتجلى بوضوح في مدن مثل القاهرة وعمّان- لا يمكن تفسيره ضمن إطار 1492 أو استعمارية المعرفة وحدها، بل يتطلب تحليلاً للاقتصاد السياسي، والدولة، والعلاقات غير المتكافئة في النظام العالمي.
بناءً عليه، فإن تعميم لحظة 1492 بوصفها أصلاً كونياً لكل أشكال الاستعمار يُنتج ثنائية كونية معكوسة لا تختلف من حيث آلية العمل عن الثنائيات الحداثية العنيفة؛ إذ ترفض المركزية الأوروبية لكنها تُعيد إنتاج منطق كوني واحد، عاجز عن استيعاب الفروقات بين الاستغلال، والإحلال، والحكم غير المباشر، والنيوليبرالية ما بعد الاستعمارية. ويُظهر التخطيط الحضري -بوصفه ممارسة مادية للسلطة ومخيالها- أن تجاوز هذا القصور يتطلب الانتقال من نقد إبستمولوجي عام إلى تحليل تفاضلي لأنماط الاستعمار وأجهزته المكانية.
3- «فك الارتباط» باعتباره إغلاق أفق لـ «الموقعية»:
(أ) نقد طبقي- معرفي: حين يتحوّل فك الارتباط إلى امتياز
يُقدَّم مفهوم «فك الارتباط المعرفي» في أدبيات نزع الكولونيالية، خصوصاً لدى عالم الاجتماع البيروفي أنيبال كيخانو (1929 – 2018) والفيلسوف الأرجنتيني والتر مينغولو (1941)، بوصفه ممارسة تحررية تهدف إلى الانفصال عن مركزية المعرفة الغربية، وإعادة بناء أفق معرفي بديل انطلاقاً من مواقع مُستعمَرة تاريخياً. غير أن هذا المفهوم، حين يُنزَع من شروطه المادية والاجتماعية، يتحول إلى ممارسة معرفية طبقية تُعيد إنتاج الامتياز بدل تفكيكه. فالدعوة إلى فك الارتباط تفترض، ضمنياً، قدرة الفاعل على اتخاذ مسافة من البُنى التي تنتج المعرفة والسلطة، وهو افتراض يتجاهل أن الموقعية ليست خياراً ذاتياً، بل شرط بنيوي مفروض على الأجساد والذوات التي تعيش داخل علاقات الدولة، والسوق، والتخطيط، والعنف اليومي في الشارع والمدينة. لسنا قادرين كلنا على «الانسحاب» من هذه البُنى أو تجاوزها إبستمولوجياً؛ فاللاجئ، أو العامل، أو ساكن الحي المهمّش، لا يملك رفاهية فك الارتباط، لأن حياته نفسها مشتبكة مادياً بهذه الأنظمة.
بهذا المعنى، يصبح فك الارتباط ممارسة متاحة أساساً للنخب الأكاديمية القادرة على التنقّل بين الحقول المعرفية والمؤسسات، أكثر مما هو أداة تحرر للفئات التي يُفترض أنها موضوع خطاب نزع الكولونيالية. هنا يتحول فك الارتباط إلى امتياز معرفي، يُعاد إنتاجه داخل الحقل النقدي بوصفه علامة على الراديكالية أو النقاء، بينما يُنظر إلى الاشتباك مع البُنى المادية -الدولة، التخطيط، الميزانية- بوصفه انحرافاً «إصلاحياً» أو تواطؤاً مع الواقع، أو حتى براغماتية نفعية.
يؤدي هذا المنطق إلى إنتاج هرمية جديدة داخل المعرفة النقدية نفسها: مَن «فكّ ارتباطه» يُمنح موقعاً أخلاقياً ومعرفياً أعلى، فيما تُجرَّد الممارسات المتجذّرة في شروط العيش اليومية من قيمتها النظرية. وهنا لا يعود فك الارتباط أداة لتوسيع أفق الموقعية، بل وسيلة لإغلاقه، عبر فصل المعرفة عن شروط إنتاجها الطبقية والاجتماعية، وهو ما يتناقض مع ادعاءات نزع الكولونيالية ذاتها بشأن كشف علاقات السلطة والمعرفة.
(ب) نقد الاحتواء المؤسسي: من العصيان الإبستمولوجي/ المعرفي إلى المنهج المُدجَّن
إلى جانب بعده الطبقي- المعرفي، يكشف تطبيق مفهوم فك الارتباط، كما يُتداول في أدبيات نزع الكولونيالية في السياق العربي، عن قابلية عالية للاحتواء المؤسسي. فما طُرح في البداية بوصفه دعوة إلى العصيان الإبستمولوجي في مواجهة أنظمة المعرفة الحديثة، تحوّل تدريجياً، في سياقات أكاديمية عديدة، إلى منهج مُقنن يُدرّس ويُقيَّم ويُموَّل ضمن المؤسسات ذاتها التي يُفترض أنه يناهضها. هذا التحول لا يعني أن خطاب نزع الكولونيالية فقد طابعه النقدي بالكامل، بل يعني أن مفعوله المواجهاتي جرى احتواؤه. فالمؤسسة الأكاديمية قادرة على استيعاب نقد المركزية الأوروبية، والاحتفاء بالتعددية المعرفية، وحتى تبنّي لغة «العصيان»، طالما بقي هذا النقد ضمن مستوى الخطاب ولم يتحول إلى مساءلة مادية للبُنى التي تنظّم الملكية، والموارد، والتخطيط، والسيادة فيها. هنا يصبح نزع الكولونيالية جزءاً من اقتصاد المعرفة النقدية، لا تهديداً له.
يتضح هذا القصور بجلاء عند الانتقال من نقد المعرفة إلى نقد التخطيط الحضري. فبينما يسهل تداول خطاب تفكيك الإبستمولوجيا الاستعمارية، يصبح النقد أكثر إزعاجاً حين يستهدف التخطيط بوصفه جهازاً مادياً يعمل عبر القانون، والميزانية، وتنظيم المكان والحركة. في هذه اللحظة، يتوقف مفعول فك الارتباط، لأن الانتقال إلى هذا المستوى يعني تهديد الشروط التي تُمكِّن المؤسسة ذاتها من الاستمرار. بهذا المعنى، لا يفشل فك الارتباط لأنه راديكالي أكثر من اللازم، بل لأنه غير راديكالي بما يكفي حين يُختزل إلى مستوى الإبستمولوجيا. فالعصيان المعرفي الذي لا يتحول إلى عصيان مادي -في التخطيط، وفي إدارة الزمان والمكان والجسد، وفي مساءلة الدولة ولغتها- يبقى قابلاً للتدوير والتدجين، بل ويمكن توظيفه كدليل على «تقدم» المؤسسة وانفتاحها النقدي. وعليه، فإن الإشكال لا يكمن في الدعوة إلى فك الارتباط بذاتها، بل في تحويلها إلى غاية نهائية بدل أن تكون أداة انتقال مواجهاتي. حين يصبح فك الارتباط نهاية المسار النقدي، لا بدايته، يُغلق أفق الموقعية بدل توسيعه، ويُعاد إنتاج الفصل بين المعرفة والفعل، وهو الفصل الذي سعى هذا المقال -منذ نقد نزع الكولونيالية وصولاً إلى غزة بوصفها حدّاً نظرياً- إلى تفكيكه.
نماذج عربيـة
◄ القاهرة:
يقدّم الأكاديمي والباحث البريطاني تيموثي ميتشل (١٩٥٥)، في تحليله لاستعمار مصر، إطاراً بالغ الأهمية لفهم التخطيط الحضري المعاصر بوصفه سياسة للزمان والمكان، لا مجرد تقنية تنظيمية محايدة. فالاستعمار، عند ميتشل، لم يعمل فقط عبر السيطرة العسكرية أو الاقتصادية، بل عبر إعادة ترتيب العالم بحيث يبدو منظماً، عقلانياً، وقابلاً للتمثيل والإدارة. الشارع المستقيم، والخريطة، والمعرض، والمدرسة، والإحصاء، كلها أدوات لإنتاج ما يسميه ميتشل «مظهر النظام»، حيث تُخفى علاقات السلطة خلف لغة التنظيم والعقلانية.
ما يكشفه هذا التحليل هو أن الحداثة الاستعمارية لا تنتهي بانتهاء الاحتلال المباشر، بل تستمر بوصفها منطق حكم يُعاد توطينه داخل أجهزة الدولة الوطنية. التخطيط الحضري، في هذا السياق، هو الامتداد الأوضح لهذا المنطق، إذ يُعيد تفكيك الزمن الاجتماعي المركّب للمدينة -الذاكرة، الحياة اليومية، الإيقاعات غير الخطية- ويعيد تركيبه كزمن تخطيطي خطي تراكمي وإنتاجي: مراحل تطوير، خطط زمنية، رؤى مستقبلية تُقدَّم بوصفها حتمية وغير قابلة للنقاش.
في القاهرة، لا تتجلى هذه السياسة الزمانية-المكانية في الخطاب أو الشكل العمراني فقط، بل في بنية الإنفاق العام نفسها. يكشف «تحليل موازنة العمران» أن الدولة المصرية تدير العمران عبر نظام مزدوج يميّز بين «العمران القائم» و«المدن الجديدة»، حيث يُوجَّه الجزء الأكبر من الاستثمارات العامة إلى مدن جديدة يعيش فيها أقل من 2% من السكان، بينما يحصل العمران القائم -الذي يضم أكثر من 98% من المصريين- على أقل من ثلث موازنة العمران.
هذا التفاوت لا يمكن اعتباره خللاً تقنياً أو سوء تخطيط، بل يعكس قراراً سياسياً- زمانياً بإنتاج مستقبل انتقائي وتمويله، مقابل إبقاء الحاضر في حالة عجز مزمن. تُظهر بيانات التقرير أن نصيب الفرد من الإنفاق في المدن الجديدة يزيد بأكثر من خمسة عشر ضعفاً عن نصيب الفرد في العمران القائم، وأن الإنفاق على شبكات الكهرباء والتنمية العمرانية والنقل في المدن الجديدة يتجاوز نظيره في المدن القائمة بأضعاف مضاعفة، على الرغم من الفجوات الهائلة في الخدمات الأساسية داخل الأحياء القائمة. هنا يصبح التخطيط ممارسة لفرض زمن واحد «صحيح»: زمن المدينة الجديدة بوصفها مستقبلاً جاهزاً، له القدرة على انتقاء الذوات المناسبة له، مقابل زمن العمران القائم بوصفه حاضراً مؤجَّلاً، متأخراً، وغير مستحق للاستثمار، بل وعالقاً في زمن المدينة المتجهة للتطوير والحداثة.
تُكمل هذه المعطيات ما أشار إليه الناقد والمؤرخ المعماري محمد الشاهد في تحليله للحداثة الثورية في مصر: فالحداثة لم تكن مجرد استيراد غربي، بل مشروع سيادي أعاد توطين أدوات التخطيط داخل الدولة الوطنية ما بعد الاستعمارية. غير أن تقرير موازنة العمران يُظهر أن هذا التوطين لم يُنتج عدالة مكانية، بل أعاد إنتاج منطق حداثي استعماري عبر منطق التخطيط ذاته، حيث إعادة توزيع الزمن والمكان لصالح فئات ومناطق بعينها، متموقعة داخل خطاب استعماري لم ينتهِ.
من هذا المنظور، لا يمكن فهم العنف التخطيطي في القاهرة بوصفه بقايا استعمارية أو انحرافاً محلياً، بل بوصفه استمراراً لمنطق حداثي استعماري أعيد إنتاجه مالياً وإدارياً داخل الدولة الوطنية. وهنا تتكشف حدود المقاربات النازعة للكولونيالية الخطابية التي تُدين مصدر المعرفة أو مركزيتها الأوروبية، لكنها لا تواجه التخطيط بوصفه جهازاً مادياً يعمل عبر الموازنة، والقانون، والإدارة، لا عبر الخطاب وحده.
إن نقد التخطيط، كما يبيّنه ميتشل ضمنياً، وتؤكده موازنة العمران عملياً، يجب أن يستهدف الزمن الذي تُموّله الدولة بقدر ما يستهدف المكان الذي تنظّمه.
◄ بيروت:
تمثّل بيروت حالة تحليلية كاشفة لقصور المقاربات النازعة للكولونيالية حين تُستَخدم كإطار لتفسير العنف الحضري وتفكيكه. فهذه المدينة لا تُدار اليوم تحت استعمار مباشر بمعناه الكلاسيكي، ومع ذلك تستمر في إنتاج أشكالٍ مركّبة من العنف المكاني، عنف لا يمكن ردّه إلى «غياب الوعي» أو «التمثيل» أو «الخطاب»، بل إلى منطق تخطيطي -قانوني- عقاري يعمل باعتباره جهاز حكم يعيد إنتاج الحرب بوصفها حالة حضرية مستدامة لا باعتبارها حدثاً ماضياً. بهذا المعنى، لا تصبح الحرب «ماضياً» تعالجه الذاكرة، بكامل علاقات القوى فيه، والممتدة منذ المحاصصة الاستعمارية، إنما بما هي -الحرب- تقنية إدارة تشتغل داخل التخطيط نفسه عبر تنظيم انتقائي، وامتناع مقصود، وتفاوتات مكانية تُترك لتتراكم وتنفجر دورياً.
تُظهر هبة بو عكر في كتاب «لحرب منتظرة تخطيط حدود بيروت» أن التخطيط في بيروت لا يعمل على إغلاق جبهات الحرب أو تسوية آثارها، بل على إعادة تشكيل الحدود الحضرية بحيث تبقى قابلة للاشتعال: أحياء تُترك خارج شبكات الخدمات أو خارج الاعتراف التنظيمي الكامل، تدخلات موضعية تُنقذ مناطق الاستثمار وتُهمل مناطق الهشاشة، وتوزيع للموارد يرسّخ فروقات سياسية-اجتماعية تُدار كوقود لصراعات مؤجلة وإن كانت حاضرة في الخطاب. هنا يصبح «فشل التخطيط» أو «غيابه» ليس عرضاً للفوضى ولا للحزبية أو الفساد، كما درج الخطاب النيوليبرالي على وصفه، بل استراتيجية حكم: الامتناع التخطيطي ذاته يعمل كأداة لإدامة التفاوت بوصفه شرطاً لإدامة توازنات ما بعد الحرب.
يظهر هذا المنطق بصورة أكثر سطوعاً في مشروع إعادة إعمار وسط بيروت بعد الحرب الأهلية، حيث لم يكن الأمر مجرد إعادة بناءٍ عمراني، بل إعادة تأسيس للملكية والحق في المدينة عبر أدوات عقارية-قانونية أعادت تعريف من يملك المركز، ومن يحق له الوجود فيه. يبيّن ساري مقدسي أن ما جرى في وسط بيروت لم يكن «تنمية» بالمعنى المحايد، بل إعادة إنتاج لمدينة تُدار كأصل مالي وواجهة سيادية، جرى فيها تحويل المكان إلى سلعة وإقصاء للسكان أو نزع حضورهم الاجتماعي والتاريخي من قلب العاصمة. بهذا المعنى، تتحول الذاكرة نفسها إلى عنصر تصميمي «مُهذّب» يمكن دمجه في واجهات وسرديات سياحية دون أن يغيّر من واقع نزع الملكية أو التراتب المكاني أو عمليات إنتاج الآخر الطائفي. أي إن الذاكرة تُستوعَب بدل أن تُحرّر: تتحول إلى لغة ثقافية تُعطي شرعية رمزية لمشروع مادي قائم على إعادة التراكم والاستحواذ.
بيروت تعرّي قصور النظرية النازعة للكولونيالية. فحتى لو نجحت النظرية في تشخيص الجذور الإبستمولوجية للعنف فإنها تتعثر حين تواجه الجهاز التخطيطي بوصفه بنية مادية قادرة على امتصاص النقد وإعادة إنتاج العنف دون أن ينهار. فبيروت لا تعاني «سوء تمثيل» فقط، بل مدينة يُعاد فيها إنتاج السلطة عبر الملكية والقانون والتمويل وتوزيع الخدمات، أي عبر ما يمكن أن نطلق عليه «اقتصاد سياسي للتخطيط»، لا ينهار بمجرد تفكيك خطابه ومراكزه المعرفية. ولذلك فإن الانتقال من الخطاب إلى سؤال الجهاز هو انتقالٌ لا مفرّ منه: من يملك؟ من يشرّع؟ من يُنظّم؟ ومن يُترك خارج التنظيم؟ وكيف تتحول هذه القرارات إلى توازن حربٍ قابل للتجدد.
تزداد قوة هذه الحجة حين ننظر إلى وجود معرفة نقدية محلية فعلية في بيروت. أعمال مختبرات وأطر بحث حضري مثل Beirut Urban Lab (ضمن تقاليد البحث الحضري النقدي في بيروت) تمثل مثالاً مهماً على قدرة المعرفة المحلية على تفكيك خطاب «إعادة الإعمار»، وتعرية آليات السوق العقارية، وتوضيح كيف تُعاد صياغة المدينة في خدمة التراكم (على نحو ينسجم مع نقد التخطيط النيوليبرالي في الجنوب العالمي). غير أن دلالة هذه المعرفة -وهنا النقطة الحاسمة- هي أنها تكشف حدود نزع الكولونيالية حين تفترض أن تفكيك الإبستمولوجيا سيقود تلقائياً إلى تفكيك السلطة. في بيروت، المعرفة موجودة، والأرشفة موجودة، والنقد موجود؛ ومع ذلك يستمر جهاز التخطيط لأن مصدر قوته ليس فقط في إنتاج سردية، بل في امتلاك آليات قانونية وتمويلية وسيادية تترجم الخطط إلى إعادة توزيع للقيمة والوجود.
ولأجل تثبيت هذا الحدّ أكثر، يصبح استدعاء ممارسات تدخلية مادية مثل Public Works Studio ذا جدوى أكبر من استدعاء أمثلة فنية/ خطابية، ليس لأن الفن أو الأرشفة أقل أهمية، بل لأننا نريد اختبار النقض عند مستوى «المادي التخطيطي» نفسه. فممارسات مثل Public Works تحاول الاشتباك مع المكان عبر مشاريع بنية تحتية أو تأهيل أو فضاءات عامة في سياقات حضرية مهمّشة، أي عبر انتقال عملي من المعرفة إلى الفعل، لكن أهميتها التحليلية ليست في تقديمها «حلولاً نازعة للكولونيالية»، بل في كونها تكشف أن حتى التدخلات التقدمية تظل مقيدة بإطارات القانون، وشروط التمويل، وبنية الملكية، وتوازنات الحكم المحلي، أي أنها تصطدم بجدار الجهاز الذي يحدد ما هو ممكن وما هو ممنوع داخل المدينة .
وبذلك تقدم بيروت مفارقة مفيدة لنقد/ض نظرية نزع الكولونيالية: ليست المشكلة غياب بدائل محلية أو غياب معرفة نقدية؛ المشكلة أن جهاز التخطيط قادر على استيعاب النقد، وأحياناً استيعاب التدخل، دون أن يتعطل منطق استدامة الحرب، وبنية علاقاتها المادية.
إذا قرأنا هذه المفارقة عبر مفهوم سياسات الزمان والمكان تصبح بيروت أكثر وضوحاً باعتبارها مسرحاً لاستمرار الحداثة السلطوية لا قطيعة معها. فالحداثة، ليست «قيمة» بل نظام ترتيب ينتج مظهر النظام عبر تنظيم المكان والزمان وإخفاء السلطة خلف لغة العقلانية. في بيروت ما بعد الحرب، يشتغل التخطيط على إعادة إنتاج زمنين متوازيين: زمن استثماري سريع يُبنى في مناطق بعينها، وزمن تهميش وبطء في مناطق أخرى تُترك لتعيش «زمن الانتظار» بوصفه سياسة. بهذا المعنى، التخطيط لا يعيد ترتيب المكان فقط، بل يفرض زمناً حضرياً يحدد من يعيش المستقبل ومن يبقى في ما بعد الحرب. وهنا تصبح «الذاكرة» وحدها غير كافية: فالمدينة ليست سجال سرديات، بل جهاز يُنتج الزمن كسلطة، ويحوّل الحرب إلى بنية مستمرة تُدار مادياً عبر تنظيم/ امتناع/ استثمار.

خطــ٣٠ // تنشر وفق الحقوق المفتوحة Copyleft
ما العمل؟ غزة كإجابة
بمراكمة الملاحظات والمشاهدات والتحليلات السابقة، يتبدّى أمامنا سؤال مديني عربي مُلحّ: ما العمل؟ وهو سؤال لا يمكن الإجابة عليه عبر وصف العطالة الكولونيالية في اليومي المعيش، أو تفكيك الخطاب وحده، بل عبر مساءلة الشروط المادية التي تُنتج العنف الحضري وتُعيد إنتاجه، سواء باسم الحداثة، أو التنمية، أو حتى ما بعد الاستعمار. للإجابة على هذا السؤال، أقترح لحظتين فارقتين في التاريخ والمسار الحضري العربي المعاصر، لا بوصفهما نماذج جاهزة أو لحظات بطولية معزولة، بل بوصفهما مختبرين ماديين تراكميين يُمكن من خلالهما التفكير في العلاقة بين الفعل، والتخطيط، والمعرفة، والسلطة: ميدان التحرير (2011–2013)، وغزة (2021، مروراً بالسابع من أكتوبر، وحتى هذه اللحظة). ما يجمع بين اللحظتين ليس التشابه السياقي من حيث المواجهة المادية والفراغية والجسدية الممتدة إلى الخطاب، بل كشفهما العنيف لبنية الحكم المكاني، وإجبارهما النظرية على اللحاق بالفعل لا العكس.
لم يعد المكان فضاءً منظماً للحركة، بل ساحة لإعادة تعريف من يملك المدينة ومن يملك الحق في الوجود فيها. مشهد الأعلام الفلسطينية في ميدان التحرير ليلة سقوط الدكتاتور لم يكن تضامناً رمزياً خطابياً فقط، بل إعادة وصل مديني وسياسي كسر البنية النحوية والمادية التي فصلت مصر عن محيطها العربي لعقود.
في ميدان التحرير، وخلال ما ينبغي تسميته بالحراك الثوري العربي -لا «الربيع العربي»- واجه المصريون والمصريات بنية الاقتصاد السياسي للدولة وشبكات استدامتها مواجهةً مادية جسدية ومكانية مباشرة، وبأدبيات عسكرية حربية لا لبس فيها. لم يكن الأمر مجرّد احتجاج على خطاب الدولة بشأن العيش والحرية والكرامة الإنسانية، بل كان تعطيلاً فعلياً للهيكل المادي للدولة: قوى الأمن، البنية التحتية، شبكات الحركة، منطق السيطرة على الميادين، بل وحتى الخطاب نفسه. لحظة سقوط الرئيس المصري الأسبق لم تكن فقط لحظة تغيير سياسي، بل لحظة اختلال في هندسة الزمان والمكان التي تدير بها الدولة المدينة، باعتبارها بوتقة مادية جسدية للاجتماع السياسي. لم يعد الزمن زمن الدولة الخطي (انتقال من نظام إلى آخر)، بل زمن كثيف، مفتوح، غير قابل للضبط؛ ولم يعد المكان فضاءً منظماً للحركة، بل ساحة لإعادة تعريف من يملك المدينة ومن يملك الحق في الوجود فيها. مشهد الأعلام الفلسطينية في ميدان التحرير ليلة سقوط الدكتاتور لم يكن تضامناً رمزياً خطابياً فقط، بل إعادة وصل مديني وسياسي كسر البنية النحوية والمادية التي فصلت مصر عن محيطها العربي لعقود.
غير أن تجربة التحرير، على راديكاليتها، كشفت أيضاً حدود اللحظة الثورية حين لا تُترجم إلى تفكيك مستدام لجهاز التخطيط والحكم، ونقل الفعل إلى النظرية، بدل انحباسه في الخطاب. فالدولة أعادت ترميم نفسها، ليس فقط عبر القمع، بل عبر إعادة فرض زمنها: زمن الاستقرار، وزمن التنمية و«العجلة التي تدور»؛ زمن «العودة إلى الحياة الطبيعية». التخطيط عاد بوصفه أداة لإغلاق الفضاءات، تنظيم الحركة، وضبط المدينة، دون أن يُمسّ جوهر الجهاز الذي ينتج العنف المكاني. هنا يتضح أن تعطيل الجهاز، مهما كان قوياً، يظل هشاً إن لم يُقترن بمساءلة بنية الاقتصاد السياسي المادية واستمراريتها.
إذا كانت القاهرة قد كشفت لحظة تعطيل الجهاز، فإن غزة تكشف اليوم حدود التفكير النظري نفسه. غزة لا تُقدَّم هنا بوصفها «حالة إنسانية»، ولا هي «استثناءً مأساوياً» لسيرورة الإبادة في التاريخ الاستعماري، بل بوصفها الحدّ الأقصى الذي تنكشف عنده كل أوهام التخطيط، وكل محدوديات نزع الكولونيالية الخطابية. في غزة، لا نواجه فقط تخطيطاً عنيفاً، بل إبادة مكانية ممنهجة يُستخدم فيها التخطيط -بمستوياته العسكرية، والإدارية، والإغاثية، وإعادة الإعمار- كأداة لإدارة التدمير، وتأجيل الحياة، وتعليق المستقبل، ما يفرض وعياً مادياً، يؤكد أن فعل المقاومة اليومي هو النظرية في ذاته كما تخبرنا نادرة شلهوب كيفوركيان عن فعل اللملمة، بما هو اضطراب في الاستعارة الاستعمارية الجسدية والمادية.
ما تُعلّمه لنا غزة، بصرامة لا تحتمل الالتباس، هو أن المعرفة وحدها لا تُحرّر، وأن تفكيك الخطاب لا يعطّل الجهاز. في غزة، لا تنقص المعرفة النقدية، ولا الوعي، ولا الأرشفة، ولا السرديات المضادة. ما يُفرض هو زمن نجاة لا زمن تخطيط، وزمن انتظار لا زمن تنمية. إعادة الإعمار، كما تُطرح دولياً، ليست وعداً بالمستقبل، بل إدارة لما بعد التدمير تُبقي السيطرة على الأرض، والسكان، والحركة، مشروطة ومؤجلة. هنا تبلغ سياسات الزمان والمكان ذروتها: يُدمَّر الحاضر، ويُعلَّق المستقبل، وتُختزل الحياة إلى إدارة البقاء.
بهذا المعنى، لا تمثّل غزة فشلاً للنظرية فحسب، بل أيضاً فرصة قاسية لإعادة التفكير فيها وفي مواقعنا منها. فرصة لا للتعلّم الرومانسي وأشكاله الطبقية الرثة، بل للتعلّم القسري الجسدي: كيف نفكّر في التخطيط خارج منطق الدولة، وخارج وهم التنمية، وخارج افتراض أن تفكيك المعرفة يقود تلقائياً إلى تفكيك السلطة. غزة تفرض علينا إعادة صياغة السؤال من جديد: ليس كيف ننزع كولونيالية الخطاب، بل كيف نُعطّل الجهاز الخطابي ونخرسه وندمره. ليس كيف نعيد البناء، بل كيف نمنع التخطيط من أن يكون أداة للإبادة المؤجلة. غزة تقول لنا إن هند رجب، وسائد الذي هتف «ولعت ولعت» دون أن نرى وجهه أو نسمع لغته، هما أقدرنا على إنتاج معرفة ومدينة قابلة لمواجهة تراثنا الاستعماري كاملاً!
إذا كان ميدان التحرير قد كشف إمكانية تعطيل الجهاز عبر الجسد والمكان، فإن غزة تكشف ضرورة العصيان المعرفي والمكاني والزمني معاً، باعتبارها ممارسة تفرض النظرية وليس نظرية تفرض الممارسة، عصيان يرفض تحويل الدمار إلى فرصة استثمارية عربية وأمريكية تطبيعية، ويرفض اختزال الحياة إلى ملف إغاثي أو حتى ملف خرائط مضادة لا تتطرق إلى دور المدن العربية في الإبادة، ويصرّ على أن التخطيط -إن كان له أن يكون- يجب أن ينبع من شروط الحياة اليومية وأفرادها، لا من خرائط السيادة أو جداول المانحين.
غزة، بهذا المعنى، ليست نهاية المدينة، بل بدايتها الممكنة خارج الحداثة العنيفة. وعليه، فإن الإجابة عن سؤال «ما العمل؟» لا تأتي من وصف المدن، ولا من تمجيد لحظات التمرّد، ولا من الاكتفاء بنقد نظرية نزع الكولونيالية بنظرية أخرى في سجال أيديولوجي لا معنى له، بل من الاعتراف بأن التخطيط نفسه ساحة صراع، وأن أي مشروع تحرري لا يواجه سياسات الزمان والمكان مادياً سيبقى أسير التشخيص والشخصنة. غزة لا تقدّم حلاً جاهزاً، لكنها تُجبرنا على التفكير من جديد: من الأثر إلى الفكرة، ومن التغيير إلى النظرية، ومن الفعل إلى المعرفة، دون ضمانات، ولكن دون أوهام، ولا استعراضات موقعية رثة!
قائمة المراجع:
Ababsa, Myriam. 2013. Atlas of Jordan. Beirut: Presses de l’Ifpo
Amin, Samir. 1974. Accumulation on a World Scale. New York: Monthly Review Press
Bhambra, Gurminder K. 2021. “Decolonizing Critical Theory?” Critical Times 4 (1): 73–89
Bou Akar, Hiba. 2018. For the War Yet to Come: Planning Beirut’s Frontiers. Stanford: Stanford University Press
Cooper, Frederick. 2005. Colonialism in Question: Theory, Knowledge, History. Berkeley: University of California Press
Escobar, Arturo. 1995. Encountering Development: The Making and Unmaking of the Third World. Princeton: Princeton University Press
Harvey, David. 2005. A Brief History of Neoliberalism. Oxford: Oxford University Press
Khalil, Amira, and Yahia Shawkat. 2016. Urban Budget 2015/2016: Spatial Justice Analysis in Egypt. Cairo: Takween / Tadamun
Makdisi, Saree. 1997. “Laying Claim to Beirut: Urban Narrative and Spatial Identity in the Age of Solidere.” Critical Inquiry 23 (3): 661–705
Maldonado-Torres, Nelson. 2016. “Outline of Ten Theses on Coloniality and Decoloniality.” Fondation Frantz Fanon
Mignolo, Walter D. 2011. “Epistemic Disobedience and the Decolonial Option.” Transmodernity 1 (2): 44–66
Mitchell, Timothy. 1988. Colonising Egypt. Berkeley: University of California Press
Porter, Libby. 2010. Unlearning the Colonial Cultures of Planning. London: Routledge
Quijano, Aníbal. 2000. “Coloniality of Power, Eurocentrism, and Latin America.” Nepantla 1 (3): 533–580
Rodney, Walter. 1972. How Europe Underdeveloped Africa. London: Bogle-L’Ouverture
Roy, Ananya. 2009. “Why India Cannot Plan Its Cities.” Planning Theory 8 (1): 76–87
Ryzova, Lucy. 2014. The Age of the Efendiyya. Oxford: Oxford University Press
Said, Edward W. 1975. Beginnings: Intention and Method. New York: Basic Books
Sims, David. 2015. Understanding Cairo: The Logic of a City Out of Control. Cairo: AUC Press
Tuck, Eve, and K. Wayne Yang. 2012. “Decolonization Is Not a Metaphor.” Decolonization 1 (1): 1–40
Veracini, Lorenzo. 2010. Settler Colonialism: A Theoretical Overview. Basingstoke: Palgrave Macmillan
Watson, Vanessa. 2009. “The Planned City Sweeps the Poor Away.” Progress in Planning 72 (3): 151–193
Weizman, Eyal. 2007. Hollow Land. London: Verso
Yiftachel, Oren. 2006. Ethnocracy: Land and Identity Politics in Israel/Palestine. Philadelphia: University of Pennsylvania Press