
سياسات التحديق في الرقص الشرقي
خط ٣٠
مدخل
ينطلق مقال «الجسد ورأس المال.. هل أصبح الرقص أيديولوجيا جديدة؟» المنشور على موقع خط 30، من فرضية تبدو بديهية، وهي أن الجسد أصبح في ظل النيوليبرالية المعاصرة شكلاً جديداً من أشكال رأس المال الرمزي، وأن تزايد حضور الجسد في الفضاءات الرقمية والثقافية يعكس تحولات الرأسمالية المتأخرة نحو اقتصاد الانتباه والتمثيل والاستعراض. غير أن هذه الأطروحة، بالرغم من محاولاتها التفسيرية، تظل حبيسة نموذج نظري يختزل الجسد في علاقته بالسوق، ويقرؤه بوصفه حاملاً للقيمة الرمزية أو موضوعاً للتسليع والاعتراف الاجتماعي ضمن طبقة تكاد تكون أحادية، إذ تكمن محدودية هذا التصور في أنه ما يزال يفترض أن الرأسمالية تعمل وفق المنطق ذاته الذي حكم الرأسمالية الصناعية أو حتى النيوليبرالية المبكرة؛ أي منطق تحويل الأشياء إلى سلع قابلة للتبادل والتراكم.
إلا أن الرأسمالية الخوارزمية المعاصرة، كما سنرى، لم تعد تكتفي بتسليع الجسد، بل تجاوزت ذلك نحو تحويل الحياة نفسها إلى حقل للاستخراج المستمر لمادتها. فالجسد لم يعد مجرد سلعة، ولا مجرد قوة عمل، ولا حتى مجرد رأس مال رمزي؛ بل أصبح بنية تحتية لاستخراج البيانات، وموقعاً لإعادة إنتاج السلطة، ومنصة لتراكم القيمة الخوارزمية. لم يعد رأس المال ينتظر دخول الجسد إلى السوق كي يحقق الأرباح منه، بل أصبح يستخرج القيمة من حركة الجسد، ومن التنفس، ومن النوم، ومن العلاقات الاجتماعية. إن الرأسمالية الرقمية لا تستولي على الجسد كمادة بصرية فقط، بل تستولي على شروط الحياة التي تجعل حركة الجسد ممكنة أصلاً. بهذا المعنى، فإن الإشكالية لا تكمن في تحوّل الجسد إلى رأس مال، بل في تحوّل الحياة (وفي جوهرها الحركة والحق في الحركة) إلى مستعمرة بيانات كمية، تقوم عليها سياسات دولية، بل وحتى تصنيفات حربية. وكما جادلت أعمال عالم الاجتماع نيك كولدري، وأستاذ دراسات الاتصال أوليسيس ميخياس، فإن الاستعمار لم ينتهِ مع تفكك الإمبراطوريات الكلاسيكية، وإنما أعاد تشكيل نفسه داخل بُنى رقمية جديدة تستخرج البيانات من البشر، مثلما كانت الإمبراطوريات تستخرج الذهب والقطن والنفط من المستعمرات. إن ما يسمى بالاقتصاد الرقمي ليس قطيعة مع التاريخ الاستعماري، بل امتداد له بلغة الخوارزميات والمنصات والذكاء الاصطناعي، وهو ما كشفته بوضوح حرب الإبادة الإسرائيلية الغربية على غزة.
غير أن الاقتصار على نقد الرأسمالية الرقمية لا يكفي. فالجسد الذي تتحدث عنه هذه الأدبيات – كما يرد في المقال المشار إليه أيضاً، وبمنطق ذكوري- غالباً ما يظهر بوصفه جسداً مجرداً، بلا تاريخ، بلا عرق، بلا استعمار، وبلا جندر، ويكاد يكون محصوراً من حيث الحركة في الرقص كمادة بصرية ليلية لغايات التسلي، وبمنطق شهرياري من حيث الأداء والخطاب الثقافوي. ومن هنا تبرز أهمية الجغرافيا النسوية السوداء التي طورتها كاثرين ماكيتريك، وغيرها من المنظرات اللواتي رفضن التعامل مع الجسد بوصفه كياناً بيولوجياً محايداً، وأصررن على أن الجسد ينتج المكان كما يُنتج المكان الجسد. فالفضاء ليس خلفية تتحرك فيها الأجساد، بل هو نتاج علاقات القوة التي تحدد من يحق له الحركة، ومن يُجبر على التوقف، ومن يُراقب أثناء الحركة، ومن يُحوَّل إلى هدف للضبط والعقاب، وطبعاً التسلية.
إن ما تكشفه الجغرافيا النسوية السوداء هو أن السلطة لا تعمل فقط من خلال السيطرة على الأجساد، بل من خلال السيطرة على إمكانيات الحركة ذاتها. فالحركة ليست حقاً طبيعياً أو تجربة كونية مشتركة، بل مورد سياسي موزع بصورة غير متكافئة (عالم السياسة والأنثربولوجيا جيمس سكوت، يرى الدولة الحديثة بأنها «عدو الحركة والمتحركين على الدوام»). فالجسد الأبيض يتحرك ضمن افتراض البراءة، بينما يتحرك الجسد الأسود تحت شروط الاشتباه، ويتحرك الجسد المهاجر تحت شروط المراقبة، ويتحرك الجسد الفلسطيني تحت شروط الاستهداف الاستعماري، ويتحرك الجسد الأنثوي والذكوري تحت شرط الدور الاجتماعي. لذلك فإن السؤال المركزي لم يعد: كيف يُمثَّل الجسد؟ بل: كيف تُنظَّم الحركة؟ ومن يمتلك سلطة تنظيمها؟ أي إن نقد المقال المشار إليه يجب أن يبدأ من لحظة التحديق في الجسد الأنثوي.
في هذا السياق، يصبح من الضروري الانتقال من مفهوم «الجسد- رأس المال» إلى مفهوم آخر أكثر قدرة على تفسير شروط السلطة المعاصرة، وهو ما أقترح تسميته بـ«الجسد- المسار» (Body-as-Trajectory). فالجسد ليس موضوعاً ثابتاً، بل هو شبكة من المسارات والعلاقات والإيقاعات الحركية. والرأسمالية الخوارزمية لا تستخرج الجسد بوصفه شيئاً/ مادة، بل تستخرجه باعتباره شبكة علاقات متغيرة باستمرار. وما تنتجه تطبيقات الملاحة، والمنصات الرقمية، وأنظمة المراقبة البيومترية، وأدوات الذكاء الاصطناعي ليس معرفة بالجسد بقدر ما هو معرفة بالمسار المجسدن. إن السلعة الأساسية في الاقتصاد الرقمي لم تعد الجسد نفسه، بل قدرته على الحركة ومن ثم أثره الحركي والمكاني. وتكتسب هذه المسألة أهمية مضاعفة في السياقات الاستعمارية، ولا سيما في الحالة الفلسطينية على وجه التحديد والعربية عموماً. فالاستعمار الاستيطاني لا يكتفي بالاستيلاء على الأرض أو مصادرة الموارد، بل يعمل على إعادة تنظيم الحركة ذاتها. إن الحواجز العسكرية، والتصاريح البيومترية، وأنظمة التعرف على الوجه، والكاميرات الذكية، وقواعد البيانات الأمنية، ليست أدوات تقنية محايدة، بل هي أجزاء من بنية استعمارية تهدف إلى احتلال المسارات التي تربط الجسد بالأرض (كان حساب السعرات الحرارية المسموح بدخولها إلى قطاع غزة المحاصر جزءاً أساسياً من سياسات الحصار). ومن ثم فإن السيطرة الاستعمارية لم تعد تقتصر على السيطرة على الإقليم، بصفته مجالاً حركياً فراغياً، بل أصبحت تشمل السيطرة على البنية الحركية التي تجعل الإقليم قابلاً للحياة، والرقص باعتباره حركة فهو دلالة على الحياة!
من هنا، يجادل هذا المقال الذي بين أيدينا بأن الرأسمالية الخوارزمية والاستعمار الاستيطاني الرقمي يتقاطعان في إنتاج شكل جديد من السلطة يمكن وصفه بأنه سلطة استخراج الحركة Mobility Extraction. فالجسد لم يعد يُستغل فقط بوصفه قوة عمل، ولم يعد يُراقب فقط بوصفه موضوعاً أمنياً (أو ترفيهياً)، بل أصبح يُحوَّل إلى عقدة بيانات داخل شبكات معقدة من الاستخراج والتصنيف والتنبؤ. ومن خلال هذا التحول، يلتقي رأس المال مع الاستعمار ومع البطريركية في مشروع مشترك يهدف إلى تحويل الحياة ذاتها إلى مورد قابل للقياس والتتبع والاستخراج، وهو بالضبط ما يقوم به المقال المشار إليه من افتراض أن الجسد الراقص «وعاء بيولوجي» و«أداة للإنتاج المادي»، لذا نجد نبرته تتقاطع جندرياً في النظر إلى الرقص والحركة ضمن عدسة أحادية تعتبره «مشروعاً مهنياً».
الاستشكال الأول:
الجسد بعد السرديات الكبرى.. لأجل من ماتت السرديات أصلاً؟
تتمثل إحدى الفرضيات المركزية التي يقوم عليها خطاب «الجسد ورأس المال» في الربط بين صعود مركزية الجسد المعاصر وبين ما يسميه الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي جان فرانسوا ليوتار (1924- 1998)، «انهيار السرديات الكبرى». فمع تراجع المشاريع القومية والتحررية والدينية، وانهيار الثقة بالوعود الكونية للتقدم والخلاص والتغيير التاريخي، يصبح الجسد، بحسب هذه القراءة، الملاذ الأخير للمعنى، وتغدو الحركة والرقص تعبيراً عن بحث فردي جديد عن الوجود والاعتراف. وبهذا المعنى يظهر الجسد بوصفه «سردية صغرى» تحل محل السرديات الكبرى التي فقدت قدرتها على تنظيم العالم ومنح الأفراد أفقاً جماعياً للمعنى. غير أن الإشكالية هنا لا تكمن في توصيف ليوتار لأزمة الحداثة الأوروبية بقدر ما تكمن في تحويل هذه التجربة التاريخية الخاصة إلى أفق تفسيري كوني، تُمنح الحق في تفسير علاقاتنا بين ذواتنا وأجسادنا (هنا، في هذا الجزء من العالم، والآن في خضم أزمة أخلاقية وسياسية وفكرية يمر بها الغرب منذ عقود، واستفحلت بحرب الإبادة الإسرائيلية الأمريكية على بلادنا).
فحين يُستدعى مفهوم «نهاية السرديات الكبرى» بهذا التعميم، لتفسير تحولات الجسد في السياقات العربية والاستعمارية، لا يُنقل كمفهوم نظري فحسب، بل تُنقل معه بنية كاملة من الافتراضات التاريخية والجغرافية والمعرفية حول معنى الحداثة، ومسار التاريخ، وشروط إنتاج الذات. إن ما يبدو مفهوماً نقدياً محايداً يخفي داخله افتراضاً أعمق: هو أن التجربة الأوروبية تمثل التاريخ العام للبشرية، وأن أزماتها هي أزمات الجميع، وأسئلتها هي الأسئلة التي ينبغي أن تُطرح في كل مكان، بل إن أجسادها هي أجساد الجميع! لكن ماذا لو كانت المشكلة في أجزاء واسعة من العالم ليست انهيار السرديات الكبرى أصلاً؟ ماذا لو أن السؤال الذي يطرحه ليوتار ليس هو السؤال الذي تفرضه الجغرافيا الاستعمارية على الأجساد المستعمَرة، بشكل أكثر وضوحاً: هل انهيار السرديات الكبرى كاف لتفسير علاقاتنا نحن بأجسادنا في العالم العربي؟
إن مقاربة ليوتار تلك تصف أزمة تخص المركز الأوروبي للرأسمالية المتأخرة، لا أزمة تخص الإنسانية بأكملها، ولا يجب استدعاؤها هنا بهذا الشكل الفج، ودسها تحت جلودنا! بل يمكن القول، على نحو مفارق، إن مفهوم «نهاية السرديات الكبرى» نفسه يمثل إحدى السرديات الكبرى للغرب المتأخر؛ سردية تعلن نهاية التاريخ الذي أنتجه الغرب لنفسه عن نفسه وآخره، وتفترض ضمنياً أن بقية العالم يعيش اللحظة التاريخية نفسها. وهنا يصبح السؤال الذي ينبغي طرحه، لا على ليوتار فحسب – وهو الذي لم يخف مواقفه البيضاء والعنصرية من أحداث كبرى في الجنوب العالمي، الاحتلال الأمريكي للعراق نموذجاً، والذي باتت فيه الديموقراطية الليبرالية على الدبابة الأمريكية سردية حية ونابضة لخير البشرية بالنسبة إليه- بل على كامل الإرث ما بعد الحداثي: لأجل من ماتت السرديات الكبرى أصلاً؟ وبكائية من هذه؟
فلنتذكر هنا مقاربة إيلا شوحاط، في كتابها مع روبرت ستام، «Unthinking Eurocentrism, Multiculturalism and the Media» بشأن المركزية الأوروبية، وأن الملونين ليسوا معنيين بانهيار السرديات الكبرى الأوروبية، لأنهم ليسوا هم من أنتجوها بقدر ما أصبحوا مادتها. فبالنسبة إلى أجزاء واسعة من العالم المستعمَر، أو ما يمكن تسميته – بتحفظ شديد- بما بعد المستعمَر، لم تكن المسألة يوماً مسألة فقدان المعنى بقدر ما كانت مسألة العيش تحت شروط عنف مادي متواصل. ففي فلسطين، والجزائر المستعمرة، والكونغو، وجنوب أفريقيا، وأمريكا اللاتينية، ومصر، ولبنان، لم يكن السؤال المركزي: ماذا يحدث بعد انهيار المشاريع الكبرى؟ بل: كيف يمكن العيش أصلاً داخل نظام عالمي تأسس على الاقتلاع والاستعباد والنهب والتصنيف العرقي والإبادة المكانية وإدارة الموت؟
تقول شوحاط في فكرة لامعة تساعدنا هنا في تفكيك النفس الذكوري في مقال «الجسد ورأس المال»:
«يجب علينا أن نقاوم السرديات الكبرى لكل من النسوية الغربية وحركات التحرر الوطني حين تطالب بمحو التاريخ الخاص بالنساء باسم قضية «كونية» أو «وطنية». إن النهج التقاطعي الحقيقي لا بد أن يعمل على خلخلة (إرباك) الحكايات المرتبة التي يهيمن عليها الذكور، سواء كانت حكايات المستعمر أو حكايات المناضل القومي».
وحول هذا النفس الذكوري الثقافوي بشأن تصنيف أجساد النساء وحركتهن، والذي لا يختلف في جوهره عن موقف السلطة الرسمية منهن، تقول شوحاط عن الأطر المعرفية في تناولها أجساد النساء: «غالباً ما يشتغل إطار ‘ما بعد الاستعمار’ بوصفه سردية أكاديمية كبرى تعجز عن مراعاة خصوصيات حالات الاستعمار ‘غير المحسومة’ (أو المستمرة) -مثل حالة فلسطين – حيث لم يحن زمن ‘ما بعد’ الاستعمار بعد».
هذا التنبه يدفعنا إلى استحضار مقولات فرانز فانون، حيث إن السؤال الذي يشغل ليوتار حول أزمة المعنى يختلف جذرياً عن السؤال الذي شغل فانون (1925- 1961) حول الجسد المستعمَر. فالأول ينطلق من أزمة تمثيل، بينما ينطلق الثاني من أزمة وجود. الأول يتساءل عن فقدان الشرعية المعرفية، أما الثاني فيسأل كيف يتحول الجسد إلى موضوع للاستعمار قبل أن يتحول إلى موضوع للمعرفة. ولذلك فإن الجسد عند فانون لا يظهر بوصفه ملاذاً لما بعد السياسة، بل بوصفه الموقع الذي تتجسد عليه السياسة في أكثر صورها عنفاً. يقول فانون في كتابه «بشرة سوداء.. أقنعة بيضاء»:
«لقد ولدتُ في هذا العالم مفعماً بإرادةٍ لتقصّي المعنى في الأشياء، وبنفسٍ تتوقُ للوصول إلى منبع الوجود، ثم اكتشفتُ أنني لم أكن سوى موضوع من بين موضوعات أخرى (أو شيء وسط ركام من الأشياء)». إن ما يصفه فانون هنا ليس أزمة معنى، بل أزمة وجود تنتجها السلطة الاستعمارية نفسها عبر تحويل الجسد إلى موضوع للرؤية والتصنيف والإدارة.
وقد بيّن المفكر ديبيش تشاكرابارتي، في كتابه «Provincializing Europe»، أن كثيراً من المفاهيم التي تُقدَّم بوصفها مفاهيم كونية في العلوم الاجتماعية ليست سوى تعميمات لتجربة أوروبية محلية جرى تحويلها إلى تاريخ عالمي. فحين نتحدث عن الحداثة، وما بعدها، وما قبلها، فإننا نفترض غالباً وجود زمن تاريخي واحد تتحرك فيه جميع المجتمعات بالترتيب نفسه. غير أن هذا الافتراض نفسه هو أحد منتجات الاستعمار المعرفي، ومحاولة تقعيده هي أمر استعماري في جوهره. الحداثة التي يتحدث عنها ليوتار لم تصل إلى أجزاء واسعة من العالم بوصفها مشروعاً للتحرر وتفسير العالم وموقعنا منه، بل بوصفها مشروعاً للسيطرة والهيمنة، وفرض سردية واحدة على أشكال الوجود والمعنى البشري. سردية وصلت على هيئة جيوش، وسفن استعمارية، وشركات احتكارية، ومعسكرات عمل قسري، وحدود مرسومة بالقوة، وأنظمة تصنيف عنصرية. ولهذا نميل إلى رفض هذا الفصل بين الحداثة والاستعمار (سواء على المستوى الخطابي أو الأدائي). فليس الاستعمار حادثاً عرضياً رافق الحداثة الأوروبية، بل شرط تأسيسي لإمكانها. وما تسمى بالحداثة لم تكن ممكنة دون العبودية العابرة للأطلسي، ونهب المستعمرات، وإعادة تنظيم العالم وفق تراتبية عرقية ومعرفية وجسدانية جعلت أوروبا البيضاء مركزاً للإنسانية، وحولت بقية العالم إلى موضوع للمعرفة والإدارة والاستغلال.
من ثم فإن الحديث عن «ما بعد الحداثة» أو «ما بعد السرديات الكبرى» يتضمن افتراضاً ضمنياً بأن العالم تجاوز البُنى التي أنتجت الحداثة وسردياتها الكبرى، في حين أن ملايين البشر ما زالوا يعيشون يومياً داخل آثارها المادية والمؤسسية والعسكرية، التي يخوضونها بالأجساد العارية!
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة الحالة الفلسطينية بوصفها مثالاً كاشفاً لمحدودية الأطروحة الليوتارية. فليس ثمة ما يشير إلى أن الجسد الفلسطيني أصبح مركزياً بسبب انهيار المشاريع الكبرى أو تآكل المرجعيات الفكرية. على العكس تماماً، فإن الجسد يكتسب مركزيته لأنه يقع في قلب مشروع استعماري استيطاني غربي يقدّم نفسه بوصفه مشروعاً حداثياً له سرديته الخلاصية، بينما يقوم عملياً على إدارة الحياة والموت والحركة معاً. فالحاجز العسكري، والجدار، والطائرة المسيّرة، ونظام التصاريح، وقواعد البيانات البيومترية، وأنظمة التعرف على الوجه، ليست تعبيرات عن فراغ أيديولوجي، بل عن فائض من السلطة المادية التي تستهدف الجسد بوصفه موضوعاً للإدارة والمراقبة والتصنيف والعقاب، ومادة أساسية للكتابة والتثاقف.
غير أن السياقات الاستعمارية المعاصرة، وبالذات في كونها «تحويراً على الحداثة الرأسمالية»، كما يشير أستاذ علم الاجتماع إسماعيل الناشف، تدفع سؤال الجسد خطوة أبعد من كونه مادة خاضعة لسياسات الحياة والموت، فالسلطة في دولنا ومدننا العربية أصبحت تدير إمكانات الحركة أيضاً، باعتبارها مادة للحياة. لم يعد السؤال من يعيش ومن يموت فحسب، بل من يتحرك وبأي قدر، ومن يُمنع من الحركة، ومن يعبر ومن يُمنع من العبور، ومن يصبح مرئياً داخل المجال السياسي ومن يُمحى منه. وهنا تحديداً تبدأ حدود المقاربة الليوتارية بالتجلي، لأنها تفسر مركزية الجسد بوصفها أثراً لأزمة معنى، بينما تكشف الوقائع أن مركزية الجسد هي أثر لتكثف السلطة على الحياة ذاتها.
كما تتجلى هذه المحدودية أيضاً في اختزال الرقص إلى تعبير عن فردانية جديدة نشأت بعد انهيار المشاريع الجماعية. فمثل هذا التصور يتجاهل التاريخ الطويل للممارسات الحركية بوصفها تقنيات جماعية للذاكرة والنجاة والمقاومة. فالرقصات الشعبية، والدبكات الجماعية، وطقوس العمل والحصاد والحداد والاحتفال، لم تكن يوماً استجابات فردية لأزمة معنى (ما)، بل لطالما كانت أشكالاً جماعية لإنتاج المكان وإعادة إنتاج العلاقات الاجتماعية وصون الذاكرة. ولذلك فإن اختزال الرقص إلى استجابة فردانية يعيد إنتاج تصور ليبرالي للذات، أو كما تصفه شوحاط: «خطاباً ليبرالياً مستساغاً حول اللياقة الأخلاقية وحقوق الإنسان، ليحل محل الخطاب الراديكالي لحركة الوعي»، ليفصل الحركة عن تاريخها الاجتماعي والسياسي الثوري، ويقيدها في التعبيرات الليبرالية لسياسات الهوية: الاعتراف والاختلاف، لصالح من؟
وعليه، فإن مركزية الجسد في الحاضر لا ينبغي تفسيرها من خلال غياب السرديات الكبرى (من يعبأ بتلك السرديات بأي حال؟!)، بل من خلال التحول التاريخي الذي جعل الجسد ذاته موضوعاً مباشراً للاستخراج والمراقبة والتنظيم. إننا لا نعيش عصر ما بعد السياسة، بل عصر تكثف السياسة على مستوى الحياة نفسها، والحركة كمادة للحياة. ولا يظهر الجسد لأن المعنى اختفى، بل لأن السلطة باتت تستثمر في الجسد والحركة والقدرة على التنقل باعتبارها موارد استراتيجية لإعادة إنتاج الهيمنة على المعنى. وفي هذا الجزء من العالم، حيث تتحول الأجساد إلى أرقام وإحصائيات في حروب الإبادة والحصار والاقتلاع والهدم والتهجير الحضري، يصبح الحديث عن «أزمة معنى» «وانهيار السرديات» أقرب إلى حجب البنية المادية للعنف من تفسيرها، وهو تواطؤ لا واعٍ في أفضل الأحوال.
ومن هذا المنظور، لا يصبح السؤال: ماذا يحدث للجسد بعد انهيار السرديات الكبرى؟ بل: كيف تحوّل إلى ساحة مركزية تتقاطع فيها الرأسمالية الخوارزمية، والاستعمار الاستيطاني، والسلطة الأبوية، وأنظمة المراقبة الرقمية، وسياسات المعرفة والثقافة ذاتها؟ وهو السؤال الذي يستدعي الانتقال من تحليل الجسد بوصفه موضوعاً للتمثيل إلى تحليله بوصفه بنية حركية ومكانية، وهو ما سيقودنا إلى الجغرافيا النسوية السوداء ودراسات الحركة في الاستشكال الثاني.

خطــ٣٠ // تنشر وفق الحقوق المفتوحة Copyleft
الاستشكال الثاني:
من الجسد المرئي إلى الجسد المتحرك: الجغرافيا النسوية السوداء ضد مركزية الصورة
إذا كان الاستشكال السابق قد كشف محدودية تفسير مركزية الجسد من خلال أطروحة انهيار السرديات الكبرى، فإنه لم يتطرق إلى افتراض آخر لا يقل مركزية في خطاب “الجسد ورأس المال”، وهو اختزال الجسد إلى موضوع للرؤية والتمثيل البصري. فالمادة المشار إليها تكاد تقرأ الجسد حصرياً بوصفه شاشة عرض، وصورة رقمية، وموضوعاً للاستهلاك البصري داخل اقتصاد الانتباه والمنصات، تتكرر فيه مفردات الرؤية والمشاهدة والاستعراض والتمثيل والكاميرا والشاشة بوصفها المفاتيح الأساسية لفهم الجسد وحركته، وكأن السلطة لا تعمل إلا عبر إنتاج الصور أو السيطرة عليها. غير أن هذا التصور، على الرغم من أهميته في تفسير بعض أبعاد الرأسمالية الرقمية، يبقى أسيراً لما يمكن تسميته بـ «مركزية الصورة»، أي الافتراض بأن الجسد يصبح سياسياً فقط حين يصبح مرئياً، وأن السلطة تمارس أو تبدأ في ممارسة تأثيرها أساساً من خلال الرؤية والمراقبة والتمثيل. والحال أن هذا الافتراض نفسه ينتمي إلى تقليد معرفي طويل في الثقافة الغربية، كانت فيه العين هي الحاسة الثقافية المهيمنة في إنتاج المعرفة الغربية الحديثة حول الذات والعالم والآخر، وأشكال المعنى والوجود، منذ ديكارت، وصولاً إلى الفوكوية الكلاسيكية، التي جعلت «البانوبتيكون» نموذجاً للسلطة الحديثة، باعتباره مبنى بصرياً، يجعل المادة المرئية هي الأساس لفهم الحداثة ونقدها.
لكن ماذا لو لم يكن الجسد صورة أصلاً؟ ماذا لو كان حركة قبل أن يكون تمثيلاً؟ ومساراً قبل أن يكون موضوعاً للنظر؟ وماذا لو كانت السلطة المعاصرة لا تستخرج القيمة من صورة الجسد بقدر ما تستخرجها من حركته؟
هنا تحديداً تفتح الجغرافيا النسوية السوداء أفقاً نظرياً مختلفاً وراديكالياً. فبدلاً من التعامل مع الجسد بوصفه موضوعاً للرؤية، تتعامل معه بوصفه جغرافيا؛ أي بوصفه موقعاً تتقاطع فيه الذاكرة والعنف والحركة والمكان. لقد طورت عالمة الجغرافيا كاثرين ماكيتريك، في أعمالها، خصوصاً في كتاب «Demonic Grounds: Black Women and the Cartographies of Struggle»، نقداً جذرياً للتصورات الليبرالية والاستعمارية للفضاء والجسد المتحرك فيه، باعتبار الحركة فعلاً يقتضي ممارسة ومراكمة معرفية وفلسفية لا تتوقف ولا تبدأ عند أشكال الاستدلال والتسمية، بل حتى في الإنتاج الجماعي الجسدي للمكان. فالمشكلة ليست فقط في كيفية تمثيل الأجساد داخل الخطاب، بل في الكيفية التي تُنتج بها هذه الأجساد فضاءات ومعارف وممارسات مكانية مضادة. تقول ماكيتريك في كتابها الفذ: «الذوات السوداء مكانية بالضرورة»، وهذه العبارة ليست ملاحظة وصفية فحسب، بل هي انقلاب معرفي على العلاقة التقليدية بين الجسد والمكان في المنظومة الرأسمالية والاستعمارية. فالجسد ليس شيئاً يوجد داخل الفضاء، بل هو أحد الشروط التي يُنتَج الفضاء من خلالها. ومن ثم فإن الجسد لا يُفهم بوصفه موضوعاً للرؤية فقط، بل بوصفه ممارسة مكانية تراكمية مستمرة. وهنا لنا أن نسائل موقعية التحديق إلى الجسد في المقال المشار إليه: من أين ينظر النص وكاتبه إلى الجسد في فعل حركته/ رقصه؟
يرد في مستهل النص المشار إليه التالي:
«يصلنا يومياً من الأصدقاء مقاطع «ريلز» لرقصات بمختلف الأنواع والأشكال، رقصات درجت من مسلسل ما يقلّدها المتابعون، شباب يرقصون «التعقيب» و«التشكيل» في حي مصري، رقصات تأتي من صحاري ليبيا ومطروح ومن جرود فلسطين والأردن وسيناء، أو حتى رقصات تريند عالمية يؤديها الناس في الشوارع ومكاتب العمل والجامعات. أغلبنا يراقب هذه المقاطع ويسهر عليها ليلاً، مقاطع تخفف الاكتئاب لما تعطيه من جماليات متنوعة، وتفتح آفاقاً للتأمل والتفكير في فضائنا الرقمي/ الواقعي.»
الرقص، بالنسبة إلى النص المشار إليه، الآتي من صحاري ليبيا ومطروح ومن جرود فلسطين والأردن وسيناء، وحتى رقصات ترده من الشوارع والمكاتب والجامعات، إنما تفقد قيمتها الجغرافية من حيث السياق والتكوين المعرفي لتلك الأجساد ومواقعها التفاوضية مع القوى المهيمنة في تلك المواقع، ليختزَل المكان ويتم تفريغ الجغرافيا، وتنزع عن الجسد قدرته على الإنتاج المعرفي. وفي هذا الشأن تقول ماكيتريك في كتابها ذاته: «أودُّ أن أقترح بأن الفضاء والمكان يمنحان حيوات السود معناها، وذلك في عالم اعتبر، في معظمه، أن المجتمعات السوداء وما تخوضه من جغرافيا هي مجتمعات ‘لا جغرافية’ (خارج نطاق الجغرافيا) و/ أو غير ناضجة فلسفياً». هذا التحول بالغ الأهمية بالنسبة إلى موضوع الرقص، بما هو فعل حركي وجسدي مكاني، وله تاريخ فلسفي يتخطى كونه مادة لتخطّي الاكتئاب الذكوري الجماعي الليلي لشهريار. فحين يُختزل الرقص والتفكر فيه إلى صورة معروضة على الشاشة، يصبح مجرد موضوع للاستهلاك البصري، وحينها يصبح فضائنا الواقعي معادلاً للرقمي! أما إذا فُهم بوصفه حركة وإنتاجاً للمكان، فإنه يتحول إلى ممارسة جغرافية تعيد تشكيل العلاقة بين الجسد والفضاء والذاكرة. فالراقص لا ينتج صورة فقط، بل ينتج إيقاعاً ومساراً وطريقة معينة لشغل المكان والجغرافيا وإعادة ترتيبهما، حينها يمكننا فهم السياق الحركي والجسدي والجندري والسياسي والسلطوي والخطابي وحتى الثقافوي والقيمي للأجساد المتحركة في لبنان والأردن وسوريا ومطروح، في مكاتبها وأعمالها وغيرها، باعتبارها جغرافيات لها فراداتها وتبايناتها وتماهياتها وسياقاتها، وحتى علاقاتها بالقوى وسياسات التحديق والفرجة، واقتصادها السياسي والاجتماعي.
اقترحت أستاذة العلوم الإنسانية تينا كامبت، التي انتقدت بدورها مركزية الرؤية في الدراسات الثقافية والنقدية في كتابها «Listening to Images» تجاوز الهوس البصري الذي يهيمن على التفكير النقدي إلى الإصغاء إلى ما تسميه «الترددات المنخفضة» للحياة اليومية، أي تلك الأشكال من الوجود والحركة التي لا تُختزل في ما يُرى. إن السياسة، بالنسبة إلى كامبت، لا تُمارس دائماً عبر المشهد المرئي أو الفعل الاستعراضي، بل قد تتجسد في الإيقاعات اليومية للحياة، وفي الاستمرارية، وفي القدرة على البقاء، وفي الحركات الصغيرة. ولهذا النقد أهمية مضاعفة حين نضعه في مواجهة اقتصاد المنصات الرقمية. فالرأسمالية الخوارزمية لا تهتم في الحقيقة بالصورة ذاتها بقدر اهتمامها بما يكمن خلف الصورة. فالقيمة الاقتصادية لا تُنتج من الجسد بوصفه مرئياً، بل من البيانات التي تولدها حركته. إن ما تسعى المنصات إلى التقاطه ليس شكل الجسد فقط، بل مساراته، وإيقاعاته الزمنية، وأنماط تنقله، وعلاقاته الاجتماعية، واستجاباته الحسية، ومحمولاته الرمزية. وهو ما سقط من خطاب «الجسد ورأس المال»، لصالح مركزية الصورة، في انتصار ثقافوي لحاسة البصر في أكثر أشكالها تفتيتاً للجسد، وتعامياً عن مكانه وجغرافيته.
وهنا يصبح من الضروري الاستفادة من حقل دراسات الحركة (Mobility Studies)، الذي طوّره باحثون وباحثات كثر مثل ميمي شيلر، وتيم كريسويل، وتوماس نايل. فالحركة، وفق هذا الحقل، ليست فعلاً محايداً أو حقاً موزعاً بالتساوي بين الجميع، بل هي علاقة قوة بامتياز. هناك أجساد تتحرك وترقص بحرية، وأخرى تتحرك تحت المراقبة، وأخرى يُمنع عنها التحرك أصلاً. ولذلك لا ينبغي فهم الحركة بوصفها انتقالاً فيزيائياً من حال إلى آخر، أو حتى اهتزازات، بل بوصفها ممارسة سياسية تنتجها علاقات السلطة وتعيد إنتاجها. تخبرنا ميمي شيلر: «الحركة دائماً مرتبطة بقوة ما»، وعليه ينتقل التحليل من سؤال «كيف يُرى الجسد؟» إلى سؤال «كيف يتحرك الجسد؟». وهو انتقال ليس منهجياً، ولا ترفيهياً فقط، بل سياسي أيضاً. فحين نركز على الصورة يصبح السؤال متعلقاً بالتمثيل والاعتراف، وهي من السياسات الليبرالية للهوية. أما حين نركز على الحركة يصبح السؤال متعلقاً بالوصول والمنع، والعبور والاحتجاز، والإيقاع والتعطيل، والسيطرة على المسارات التي تربط الأجساد بالعالم وببعضها بعضاً، لتصل إلى تلك الصورة وذاك «الريل».
ومن هنا يمكن القول، إن إحدى أكبر نقاط الضعف في مقاربة «الجسد ورأس المال» تكمن في أنها تفكر في الجسد وحركته (الرقص تحديداً) من خلال اقتصاد الصورة. فهي ترى الجسد حين يظهر على الشاشة، لكنها لا تراه حين يتحرك أو يرقص في الشارع، أو في المساحات المحتلة (كما كان الرقص في الناصرة في فلسطين وميدان التحرير)، أو يتعثر بالحاجز، أو ينسج علاقته اليومية بالمكان. إنها ترى الجسد بوصفه تمثيلاً، لكنها لا تراه بوصفه مساراً Trajectory شبكياً من العلاقات الحركية والرمزية المجسدنة. والحال أن الرأسمالية الخوارزمية المعاصرة لم تعد تستخرج القيمة من صورة الجسد وحدها، إنها تستخرجها من الحركة ذاتها. وما تنتجه تطبيقات الملاحة، والساعات الذكية، وأنظمة التعرف على الوجه، ومنصات التواصل الاجتماعي، ليس معرفة بالجسد في حد ذاته، بل معرفة بمساراته وأنماط حركته (لا ترصد مادة «الجسد ورأس المال» التباينات في الريلز والأجساد الراقصة، إنما تتعامل معهم وكأنهم فقط أجساد راقصة للتسلية الليلية). إن السلعة الأساسية لم تعد الجسد بوصفه صورة، بل الجسد بوصفه أثراً حركياً. وهنا بالتحديد يمكن الانتقال من مفهوم «الجسد- رأس المال» إلى مفهوم بديل أكثر قدرة على تفسير شروط الحاضر: الجسد- المسار (Body-as-Trajectory).
فالجسد ليس موضوعاً ثابتاً ينتظر أن يُرى، بل شبكة من المسارات والعلاقات والإيقاعات الحركية. والرأسمالية الرقمية لا تستخرج الجسد بوصفه شيئاً، وإنما تستخرج أثره الحركي. أما الاستعمار الاستيطاني، والرأسمالية الرقمية فلا يسيطران على الأرض فحسب، بل يسعيان إلى احتلال هذه المسارات نفسها، وتنظيمها، وإبطائها، وإعادة توزيعها. ومن هنا يصبح فهم الجسد بوصفه مساراً شرطاً ضرورياً لفهم التحولات المعاصرة في العلاقة بين السلطة والحياة والحركة والجسد، وهو ما يقودنا إلى أن للرقص والحركة تاريخاً مناهضاً للاستعمار بوصفهما مجالين للصراع على الجسد والمكان والمعنى والوجود.
الاستشكال الثالث:
أجساد النساء والمدينة والدولة.. من القاهرة الليلية إلى الجسد القومي
تكمن إحدى المشكلات الأساسية في مقال «الجسد ورأس المال» في اختزاله الرقص إلى مثال على تحوّل الجسد إلى رأس مال رمزي داخل اقتصاد الانتباه المعاصر. غير أن هذا التصور يفترض ضمنياً أن مركزية الجسد ظاهرة حديثة، وأن الرقص لا يصبح سياسياً (أو معقماً سياسياً) إلا حين يدخل دائرة السوق والمنصات الرقمية، بل إن هذا التصوّر يفترض أن الرقص لطالما كان على «هامش الممارسة الفنية». والحال أن تاريخ الرقص في المشرق العربي يكشف العكس تماماً. فالجسد الراقص لم يظهر بعد السرديات الكبرى، وانتظر انهيارها ليعي فقدانه لمعناه، بل كان إحدى الوسائط التي أُنتجت من خلالها المدينة الحديثة، والهوية الوطنية، والمجال العام، والذاكرة الجماعية، حتى إنه كان سباقاً لأشكال التنظيم الاجتماعي. إذ يذكر رافاييل كورماك، في كتابه «منتصف الليل في القاهرة: نجمات مصر في العشرينيات الصاخبة» أن المغنية والممثلة منيرة المهدية، قد شكلت فرقتها المسرحية ذائعة الصيت في العام 1915، قبل تأسيس الاتحاد النسوي المصري بثماني سنوات.
ارتبط تاريخ الرقص الشرقي منذ القرن التاسع عشر ارتباطاً وثيقاً بالعين والفرجة الاستشراقية؛ يخبرنا إدوارد سعيد، (1935- 2003)، أن الاستشراق لم يكن مجرد مجموعة من الصور الخاطئة عن الشرق، بل كان جهازاً معرفياً أعاد إنتاج الشرق بوصفه موضوعاً للرؤية والإدارة والسيطرة. وضمن هذا الجهاز احتلت الراقصة الشرقية موقعاً مركزياً. فالمرأة الشرقية لم تظهر في المخيال الإمبراطوري بوصفها فاعلة تاريخية أو سياسية، بل بوصفها جسداً معروضاً للرؤية، محمولاً على شبكات الرغبة والمعرفة الكولونيالية (ليلية ونهارية).
لكن قراءة الرقص من خلال الاستشراق وحده تؤدي إلى نتيجة معاكسة لا تقل اختزالاً. فهي تُبقي الراقصة حبيسة الصورة التي أنتجها المستعمر. ولهذا تكتسب قراءة إدوارد سعيد لتحية كاريوكا، أهمية استثنائية. ففي مقالته الشهيرة «Homage to a Belly Dancer» لا يتعامل سعيد مع تحية بوصفها موضوعاً للرغبة أو مثالاً على «الأنوثة الشرقية»، بل بوصفها شخصية تاريخية وثقافية متجذرة في التحولات الكبرى للمجتمع المصري. كانت تحية بالنسبة إليه ابنة المدينة الحديثة، وابنة الحركة الوطنية، وابنة المجال العام المصري بكل تناقضاته. لقد عاشت الملكية وثورة يوليو والناصرية والساداتية، وكانت جزءاً من الحياة النقابية والسياسية والاجتماعية، لا مجرد جسد يتحرك فوق المسرح، لملء عيون الذكور وتحديقاتهم.
تكمن أهمية هذه القراءة في أنها تعيد الجسد إلى التاريخ. فبدل أن يصبح الرقص هروباً من السياسة، يصبح أحد المواقع التي تتجسد فيها السياسة. وبدل أن يصبح الجسد نقيضاً للمشروع الجماعي، يصبح أحد أشكال حضوره الحسية. إن تحية كاريوكا تكشف أن الجسد الراقص لم يكن نتيجة لانهيار السرديات الوطنية، بل كان جزءاً من عملية إنتاجها ذاتها. ويزداد هذا التعقيد مع سامية جمال، ونعيمة عاكف. فالأولى أعادت صياغة لغة الحركة عبر أشكال من التهجين الثقافي تجاوزت ثنائية الأصالة والتقليد، والنقاش الحداثي بشأنهما، بينما قدمت الثانية الجسد بوصفه قدرة ومهارة وعملاً متقناً، ما نقل سياسات الترفيه من السيرك إلى السينما، دون أن يصبح موضوعاً للإغراء أو الفرجة أو المتعة فقط. في كلتا الحالتين لم يكن الرقص مجرد صورة، بل إنتاج لمعرفة جسدية، ولعلاقة جديدة بين الحركة والمدينة والعمل والفرقة والحضور الاجتماعي واقتصاداته السياسية.
تكمن أهمية هذه القراءة في أنها تعيد الجسد إلى التاريخ. فبدل أن يصبح الرقص هروباً من السياسة، يصبح أحد المواقع التي تتجسد فيها السياسة. وبدل أن يصبح الجسد نقيضاً للمشروع الجماعي، يصبح أحد أشكال حضوره الحسية
لا يكفي، إذن، أن نقرأ الرقص بوصفه تاريخاً فنياً، أو أن نقرأ الراقصة بوصفها جسداً فردياً يعبر عن ذاته المأزومة في مواجهة السلطة أو السوق. فالأجساد النسائية المتحركة في مصر وبلاد الشام لم تكن تتحرك على الشاشات فقط، إنما في أركان المدينة، وبين طبقاتها، ومؤسساتها، وشوارعها، ومسارحها، ومقاهيها، وكازينوهاتها، وغرف الأبنية الشاهقة، وبين حدود المدينة الأخلاقية المتغيرة. وهنا نعود إلى كورماك، لا لأنه يقدم تاريخاً لنجمات القاهرة فحسب، بل لأنه يكشف كيف كانت أجساد النساء، وحركتهن، وأعمالهن الفنية، جزءاً من مسار إنتاج مدينة القاهرة. فالنساء اللواتي كتب عنهن، مثل منيرة المهدية، وبديعة مصابني، وروز اليوسف، وفاطمة رشدي، وغيرهن، لم يكنّ مجرد مؤديات داخل صناعة ترفيه ناشئة، بل كنّ فاعلات حضريات. افتتحنَ مسارح، أدرن فرقاً، أنتجن صحفاً ومجلات، أسسنَ شبكات عمل، وتنقلنَ بين أحياء المدينة وطبقاتها ومجالاتها العامة، بحركة أجسادهن وتداول صورهن وتصاوريهنَ. ومن هذه الزاوية، لا تظهر القاهرة في عشرينيات القرن العشرين كخلفية محايدة لصعود النجمات، بل كفضاء يتشكل من خلال حركتهن. لقد كانت المدينة تُنتَج عبر أجساد النساء، كما كانت أجساد النساء تُعاد صياغتها عبر المدينة.
ولكن ما الذي أوصل الجسد إلى أن يكون حضرياً من خلال حركته على الشاشة؟
من أوجه قصور القراءة التي تختزل الجسد الراقص أو المؤدي إلى صورة أو سلعة أو رأس مال رمزي، أنها لا تنظر إلى الجسد باعتباره صورة فقط، لكنها ترفض الإقرار بمكانيته أيضاً. فتاريخياً، لم تظهر تلك النساء في المجال العام فحسب، بل كنّ يوسّعن حدود هذا المجال. كانت حركتهن داخل المدينة تعيد رسم ما يمكن للمرأة أن تفعله، وأين يمكن أن تظهر، وكيف يمكن أن تتحرك، وبأي شروط يمكن أن تتحول من موضوع للرؤية إلى منتجة للمؤسسة الثقافية نفسها. إن الجسد هنا ليس موضوعاً للفرجة فقط، بل بنية حضرية متحركة؛ يخلق طرقاً جديدة للعبور، وللعمل، وللتفاوض مع الذكورية، والاستعمار، والبرجوازية، والرقابة الأخلاقية. يمكننا هنا مد خيط من قاهرة العشرينيات إلى قاهرة ثورة 2011، حيث الجسد الراقص كان فعلاً ثورياً لأنه مارس الحركة في المكان العام، ولو مددنا الخيط بالمنطق نفسه بين عمومية الفضاء الحضري وعمومية الفضاء الافتراضي، لوجدنا أن ما حرك القاهرتين في العشرينيات وفي 2011، وسيحرك بالمراكمة الآن، هو الفعل الجسدي الحركي العام. بعبارة أخرى، كل فتاة تحركت رقصاً في فيديو أو مقطع ريل في غرفتها في القاهرة ترتبط بشكل أو بآخر بتاريخ مشترك للحركة والفضاء مع فتيات أخريات رقصن في اللحظة نفسها في مكان ما، هنا أو هناك.
لنا هنا أن نقوم بربطٍ مفاهيمي آخر بين كورماك، وجوزيف بن بريستل، في كتابه «Emotional Cities: Debates on Urban Change in Berlin and Cairo, 1860 –1910» ، وفيه يقارن بريستل التحول الحضري (بين برلين والقاهرة) لا بوصفه مسألة عمرانية أو تخطيطية صرفة، بل بوصفه تحولاً في المشاعر والحواس وأنماط العيش، التي تنطلق من الجسد وحركته. فالمدينة الحديثة لا تنتج شوارع ومباني وميادين فقط، بل تنتج أيضاً أنماطاً جديدة من الخوف والرغبة والقلق والفضول والانضباط والمتعة والتسلية. إنها تعيد تشكيل علاقة الأجساد بالسرعة، والاختلاط، والمشاهدة، والانتظار، والتنقل، والفضاء العام. يصبح السؤال عن الرقص والغناء والأداء سؤالاً عن المدينة نفسها: يكفي أن نقول ونحن نتمشى في القاهرة مثلاً، ونتأمل مبانيها العالية ونوافذ البيوت: كم من فتاة ترقص هنا أو هناك، وتواجه السلطة بفعلها هذا، تلك السلطة التي تواجهها وغيرها أيضاً في مشيها في شوارع المدينة وفي فراغاتها! ألا يغير هذا التخيل ولو قليلاً من سردية المدينة وطبقاتها؟! وينفي «التذرير» (التفتيت) الذي تنظر به مادة «الجسد ورأس المال» إلى أجساد النساء.
في القاهرة الليلية التي يرسمها كورماك، لم تكن أجساد النساء قد استقرت بعد داخل سردية قومية مغلقة. كانت تتحرك في فضاءات هجينة: المسارح، الصالات، الصحافة، السينما، الملاهي، الفرق الفنية، المقاهي، والشارع. كانت هذه الأجساد تنتج مدينة مفتوحة على التناقض؛ مدينة كولونيالية وحديثة، برجوازية وشعبية، محافظة ومتمردة، استعمارية ووطنية في الوقت ذاته. ولذلك فإن حركتها كانت تهدد كل محاولة لاختزال المدينة في هوية واحدة أو أخلاق واحدة أو جسد واحد، أو حتى شكل واحد من الثنائيات. لكن الدولة القومية الحديثة ستتدخل لاحقاً لتعيد تنظيم هذه الحركة. فكما أن الدولة الحديثة أنتجت نفسها عبر الجيش والقانون والمدرسة والإعلام، فإنها تنتج نفسها أيضاً عبر الجسد، والصوت، واللباس، والفولكلور، والمشهد، والطقس العام وقومنة الجسد وما هو جميل أو سياسي بشأنه. هنا يصبح تحليل جوزيف مسعد، في: «Colonial Effects The Making of National Identity in Jordan» بالغ الأهمية. فمسعد يبيّن أن الهوية الوطنية الأردنية لم تكن معطى طبيعياً سابقاً على الدولة، بل نتاج تاريخي لمؤسسات استعمارية وما بعد استعمارية، عملت على تعريف من هو الأردني، وما هي ملامح الوطن، وأي أجساد يمكنها أن تجسد هذا الوطن.
في هذا السياق تظهر سميرة توفيق، بوصفها حالة شديدة الدلالة. فهي لا تمثل مجرد صوت غنائي محبوب، بل جسداً أدائياً ساهم في إنتاج صورة حسية مجسدنة ومجندرة للأردن دخلت كل بيت: البادية، الثوب، اللهجة، الإيقاع، الفروسية، الصحراء، والرجولة الوطنية المتخيلة، والمرأة ذات الجسد الساعي للذكورة لا من حيث التركيب الفيزيولوجي، إنما من الأشكال الأدائية في الصوت والهيئة الجسدية، والملبس، وحتى الكلمات والضمائر المستخدمة في الغناء. غير أن المفارقة أن هذا الجسد الذي جسّد «الأردنية» لم يكن تعبيراً مباشراً عن جوهر وطني قائم، بل جزءاً من عملية تصنيع هذا الجوهر، وفرضه على جلود الأردنيين والأردنيات ومعرفتهم بأجسادهم وتواريخها الفردية والجمعية، الأمر أشبه ما يقوم بعملية حقن تحت الجلد. فالدولة لا تكتشف الجسد؛ إنها تنظمه، تنتقيه، تؤنثه، تلبسه، تصوره، وتعرضه بوصفه أصلاً وقيمة، يمكن محاكمة باقي الأجساد بالنظر إليه! هنا يصبح الجسد الأنثوي أداة مزدوجة: من جهة، يمنح الأمة جسداً حسياً قابلاً للتعرف والتداول؛ ومن جهة أخرى، يخضع حركة أجساد النساء ذاتها إلى عملية تأطير قومي. فالمرأة الراقصة/ المتحركة لا تتحرك هنا بوصفها فاعلة حضرية حرة كما في لحظة القاهرة الليلية، بل بوصفها حاملة لصورة الأمة. جسدها لم يعد ملكاً لمساره فقط، بل يصبح مساحة تُكتب عليها الدولة: الأصالة، البداوة، الشرف، التراث، الانضباط، والانتماء، وفي المقال المشار إليه: حُمّل قيماً ثقافوية ذكورية امتدت من ليوتار وصولاً إلى هاتف المؤلف المستمتع في ليله، وهو ما لا يختلف عن القول بحماية قيم الأسرة المصرية من تلك الفتيات وصنائعهن.
يسمح لنا هذا الاستشكال بالقول إن الدولة القومية لم تقم فقط بقومنة الأرض، بل قامت أيضاً بقومنة الجسد والحركة. لم تنتج حدوداً وطنية فقط، بل أنتجت أجساداً وطنية ومسارات وطنية، ورقصاً قومياً. فحركة النساء التي كانت في المدينة الحديثة قادرة على إنتاج فضاءات متعددة ومفتوحة، يجري إعادة ضبطها داخل سردية قومية تجعل الجسد علامة على الأمة بدل أن يكون منتجاً لجغرافيات متعددة ومتنوعة بل ومتضادة أحياناً. بهذا المعنى، لا تقوم الدولة بتثبيت الأرض فقط، بل بتثبيت الإيقاع؛ لا ترسم الحدود فقط، بل تعيد توزيع الحركة داخل هذه الحدود، وتمنح ذكورها حق تصنيف الأجساد وحركتها والكتابة عنها صباحاً بعد التسلي برؤيتها مساءً. ومن هنا يمكن قراءة المسار الممتد من القاهرة في العشرينيات إلى سميرة توفيق، لا بوصفه انتقالاً من الفن إلى الفولكلور، بل بوصفه انتقالاً من الجسد الحضري المتعدد إلى الجسد القومي المؤطر. في لحظة كورماك، تنتج النساء المدينة عبر الحركة والعمل الفني والمؤسسة الثقافية. في لحظة مسعد، تُعاد صياغة الجسد المؤدي كي ينتج صورة الأمة. وفي الحالتين معاً، لا يكون الجسد خارج السياسة، بل في قلب إنتاج الجغرافيا السياسية.
وهنا تتضح بصورة أكثر حدة محدودية مقال «الجسد ورأس المال»، فالنص يقرأ الجسد المعاصر بوصفه استجابة فردية لانهيار المعنى، بينما يكشف هذا التاريخ أن الجسد كان دائماً جزءاً من إنتاج المعنى الجماعي نفسه. لقد أنتجت أجساد النساء المدينة، ثم أعادت الدولة القومية تأطيرها لتنتج الأمة عن طريق قومنة الجسد الوطني المجندر. ولذلك فإن الحديث عن الجسد بوصفه ملاذاً فردياً بعد انهيار السرديات الكبرى يتجاهل أن هذه السرديات لم تكن ممكنة أصلاً دون أجساد تؤديها، وتحملها، وتغنيها، وترقصها، وتمنحها شكلاً حسياً في المجال العام. لكن لسوء حظ المؤلف أن هذا الاختزال لا يلغي فعل النساء ولا قدرتهنَ على المناورة، حتى وإن وُسم بالتفكك والانهيار.
الأجساد المؤدية تتحرك دائماً داخل التناقض: تُستخدم وتستخدم، تُؤطر وتفلت، تُعرض وتعيد تعريف شروط العرض، وهو ما يخلق فضاء ثالثاً لتلك الأجساد يمنحها مساحة من المناورة والتفاوض والمقاومة بالتراكم لا بالمواجهة المباشرة. ولهذا لا ينبغي قراءة الجسد النسائي بوصفه ضحية خالصة، ولا بوصفه رمزاً تحررياً نقياً، بل بوصفه حقلاً للصراع على المدينة والأمة والذاكرة والحركة، والجسد.
وهنا تأتي فيفي عبده، بوصفها لحظة لاحقة ومهمة في إعادة تشكيل العلاقة بين الجسد والحركة والعلامات الجندرية المقومنة. فإذا كانت الدولة القومية عملت على تأطير الجسد داخل صورة وطنية أو فولكلورية منضبطة، فإن فيفي تعيد الجسد إلى يوميته الشعبية بمجالاتها الذكورية. الجلابية التي اشتهرت بها، كسرت فكرة هيمنة الجلد العاري على مشهد الرقص دون أن ينقص ذلك من الرقص شيئاً. هنا الجلابية ليست مجرد زي، بل تفكيك جزئي للمشهدية الاستشراقية والقومية والطبقية والجندرية والجسدية معاً. نقلت فيفي الرقص من فضاء الراقصة بوصفها صورة فانتازيّة إلى فضاء المرأة الشعبية التي تتحرك في الفرح، والحارة، والبيت، والمدينة اليومية، بزي الرجل وعصاه. بهذا المعنى، لا تلغي فيفي السوق ولا الاستهلاك، لكنها تعيد إدخال الجسد في جغرافيا اجتماعية أقل تجريداً وأكثر التصاقاً بالحياة اليومية ومحدداتها الجندرية.

خطــ٣٠ // تنشر وفق الحقوق المفتوحة Copyleft
الاستشكال الرابع:
من استخراج الأرض إلى استخراج الحركة: الجسد بوصفه إقليماً استخراجياً في الرأسمالية الخوارزمية
إذا كانت الأقسام السابقة قد بينت أن الجسد لم يكن يوماً خارج السياسة أو السرديات الجماعية كما توحي مادة «الجسد ورأس المال»، فإن ثمة سؤالاً آخر لا يقل أهمية: ماذا لو لم تكن المشكلة الأساسية أن الجسد أصبح رأس مال؟ ماذا لو كانت المشكلة أن الرأسمالية المعاصرة لم تعد تكتفي باستخراج العمل من الجسد، بل أصبحت تستخرج الجسد نفسه؟
تكمن محدودية المادة المشار إليها في أنها تستخدم تمثلات محددة للجسد لتفسيره من خلال اقتصاد الصورة والانتباه، وافتراض عمومية هذه التفاسير على الجسد أي جسد أينما كان في علاقته بالذاتي والفردي والجماعي. فالجسد يظهر فيها بوصفه موضوعاً للمشاهدة، ومصدراً للرمزية، وأداة لإنتاج الاعتراف داخل فضاء المنصات الرقمية. غير أن هذا التحليل، يفترض أن ما تنتجه الرأسمالية الرقمية هو فقط صور أكثر كثافة وانتشاراً، بينما تشير التحولات الجارية إلى شيء أكثر عمقاً: لم تعد القيمة تُنتج من الصورة فقط، بل من «شكل» الحياة التي تقع خلف الصورة؛ من الحركة، والإيقاع، والتنقل، والعلاقات، والعادات اليومية التي تولد باستمرار تدفقات جديدة من البيانات.
ومن هنا يصبح من الضروري الانتقال من مفهوم رأس المال إلى مفهوم الاستخراج. لقد طُوِّر مفهوم الاستخراجية (Extractivism) في الأدبيات النقدية لأمريكا اللاتينية من أجل فهم الأنماط الاستعمارية والرأسمالية التي تقوم على انتزاع الموارد الطبيعية من الأراضي والمجتمعات وتحويلها إلى مواد خام قابلة للتداول داخل الأسواق العالمية. الاستخراجية ليست مجرد نشاط اقتصادي، بل نمط تاريخي من الهيمنة يقوم على تحويل الأرض إلى مورد، والغابة إلى سلعة، والنهر إلى احتياطي، والإنسان إلى عنصر داخل سلسلة تراكم رأسمالي. وما يجعل الاستخراجية استعمارية ليس فقط حجم ما تستخرجه، بل الطريقة التي تعيد بها تعريف العالم نفسه بوصفه مخزوناً من الموارد القابلة للاستغلال، وحصره في كونه مورداً آنياً أو لاحقاً، على حسب السوق وسياسات الإنتاج والتراكم.
وكما استولى الاستعمار الكلاسيكي على الأراضي والموارد، تستولي الرأسمالية الخوارزمية على الحياة اليومية نفسها، وتحولها إلى مادة معرضة للاستخراج بشكل مستدام.
غير أن التحول الأهم في العقود الأخيرة يتمثل في انتقال الاستخراجية من الأرض إلى الحياة ذاتها. ففي كتاب «The Costs of Connection»، يطرح نيك كولدري، وأوليسيس ميخياس، مفهوم «الاستعمار البياناتي» (Data Colonialism) للإشارة إلى نمط جديد من السيطرة يقوم على تحويل النشاط البشري اليومي إلى مادة خام للربح. وكما يكتبان: «الاستعمار البياناتي يموضع حياة البشر بطريقة تجعل استخراج البيانات منها لغايات الربح أمراً مستداماً ومنتجاً لذاته». تكمن أهمية هذه الصياغة في أنها تكسر الفاصل التقليدي بين الاستعمار والتكنولوجيا. فالبيانات ليست مجرد منتج ثانوي للأنشطة الرقمية، بل أصبحت المورد الأساسي الذي تقوم عليه الرأسمالية المعاصرة. وكما استولى الاستعمار الكلاسيكي على الأراضي والموارد، تستولي الرأسمالية الخوارزمية على الحياة اليومية نفسها، وتحولها إلى مادة معرضة للاستخراج بشكل مستدام. لكن حتى هذا التحليل يحتاج إلى دفعه مفاهيمية أخرى. فالحياة لا تُستخرج بوصفها حالة مجردة أو كيانية خاملة، بل بوصفها حركة في زمان ومكان متغيرين بواسطة تلك الحركة، بكلمات أخرى، الحياة مادة متغيرة ومتحركة وبيانية. ما تسعى المنصات إلى التقاطه ليس الجسد بوصفه صورة، بل الجسد بوصفه مساراً اجتماعياً (عكس اتهام المقال ذاته إلى الجسد بصفته غير اجتماعي ولا جماعي). لا تهتم الخوارزميات بما يبدو عليه الجسد فقط، بل أين يذهب، وكم يتحرك، ومن يقابل، ومتى يستيقظ، وكيف يستهلك، وأي مسارات يعبرها يومياً، بل وما شكل الحركة الراقصة التي يؤديها، (فلننظر إلى التكرار في أنماط الحركة لدى الراقصات المشهورات في مصر، حتى لو كن غير مصريات، ودلالاتها، مقابل تنوع الحركات الراقصة لدى تحية كاريوكا وسامية جمال وغيرهن، الأمر ذاته ينطبق على راقصات جيل التسعينيات في لبنان مثلاً هويدا الهاشم، داني بسترس، وأماني. ولأن الحركة مادة تاريخية، أي إنها تحدث في الزمن، أمكننا تأريخ تلك المجتمعات وسياسات القومية والجندر من خلال تلك الأجساد).
إن القيمة الاقتصادية لم تعد كامنة في التمثيل البصري للجسد، بل في الأثر الحركي الفردي الذي يتركه خلفه، في سبيل تتبع أنماط وبيانات المجموعة. ومن هنا تبدو مقاربة «الجسد ورأس المال» غير كافية لفهم شروط الحاضر، حتى بصرياً كما تدعي. فهي تفترض أن المنصات تعيد إنتاج الجسد بوصفه موضوعاً للفرجة، بينما تشير الوقائع إلى أن المنصات تعيد إنتاجه بوصفه إقليماً استخراجياً للمعنى وعلاقاته. فالمستخدم لا يبيع صورته فقط، بل ينتج باستمرار بيانات عن حركته، في سبيل إنتاج جسد وحركة اجتماعيين وجماعيين في آن واحد (إيمي سلطان نموذجاً).
وهنا يصبح من المفيد العودة إلى Macarena Gómez-Barris ماكارينا غوميز- باريس في كتابها: «The Extractive Zone: Social Ecologies and Decolonial Perspectives». فغوميز- باريس تذكرنا بأن الاستخراجية نظام معرفي يعيد تعريف الأرض والإنسان والعلاقات الاجتماعية باعتبارها موارد قابلة للاستخراج والمراكمة والترتيب. ومن هذه الزاوية يمكن القول إن الرأسمالية الخوارزمية لا تكتفي بجمع البيانات، بل تعيد تعريف الجسد نفسه بوصفه مورداً. ولهذا فإن التحول الأهم لا يتمثل في انتقال الجسد من المجال العام إلى المنصة الرقمية، بل في انتقاله من كونه منتجاً للمكان إلى كونه مادة خام للاستخراج، وهنا المشكلة الحقيقة في انحباس فعل الرقص في هامش الرقمي.
لم تعد قيمة الجسد الراقص أو المتحرك أو المؤدي تُستمد من قدرته على إنتاج المجال الاجتماعي، بل من القدرة على تحويل الحركة ذاتها إلى بيانات قابلة للتراكم. إن الرأسمالية المعاصرة لا تستخرج العمل من الجسد فقط، كما وصف كارل ماركس (1818- 1883)، في تحليله للرأسمالية الصناعية، ولا تستخرج الرغبة منه فقط كما اقترحت بعض قراءات الاقتصاد الثقافي، بل تستخرج الحركة نفسها. ولهذا يمكن القول إن المورد الاستراتيجي للرأسمالية الخوارزمية ليس النفط ولا العمل ولا حتى الانتباه، بل المسارات اليومية التي تنتجها الأجساد أثناء تنقلها في العالم.
ومن هنا يمكن إعادة صياغة السؤال الذي يطرحه مقال «الجسد ورأس المال». كيف تُعاد هندسة إمكانيات الحركة من أجل جعل هذا الاستخراج ممكناً. وهو السؤال الذي يظهر بأوضح صوره في السياقات الاستعمارية والرأسمالية المعاصرة، حيث لا تصبح الحركة مورداً للاستخراج فقط، بل موضوعاً مباشراً للإدارة والسيطرة والعقاب والتحرش والإبادة والهدم، ولنا في المدن العربية كلها تقريباً شواهد!
الجسد- المسار: نحو جغرافيا مناهضة للاستعمار للحركة والسيادة
إن ما يستهدفه الاستعمار الاستيطاني الرأسمالي ليس الجسد بمعناه البيولوجي فقط، بل الجسد بوصفه قدرة على العبور والوصول والربط بين الأمكنة. ولذلك فإن السيطرة هنا لا تُمارَس على الأجساد وحدها، بل على الأمكنة التي تنتجها هذه الأجساد أثناء حركتها. ومن هنا يصبح من الضروري التأسيس لمفهوم الجسد بوصفه مساراً.
لا يشير المسار هنا إلى الحركة الفيزيائية البسيطة من نقطة إلى أخرى، بل إلى مجموع العلاقات المكانية والزمنية والاجتماعية التي ينتجها الجسد أثناء حركته – ولو في مكانه أمام الكاميرا- في العالم. فالجسد لا يوجد أولاً ثم يتحرك لاحقاً؛ بل يتشكل من خلال الحركة ذاتها. إن الوصول إلى المدرسة، والعبور إلى الحقل، والمرور عبر السوق، وزيارة الأقارب، والذهاب إلى العمل، والعودة إلى المنزل، ليست أحداثاً ثانوية تقع خارج الجسد، بل جزء من إنتاجه المستمر، وبالتالي ففعل الرقص أو الحركة في تلك «الريلز» ليس إلا حركة تراكم هذه الطبقات من الجلود على الجسد، وبالتالي فالنظر إلى الجسد بصفته رقصاً فقط، لا جغرافيا ولا تراكم للجلود يعد اختزالاً ذكورياً مخلاً، ومن هنا يصبح مفهوم الجسد- المسار أكثر قدرة على تفسير شروط الحاضر من كثير من المفاهيم السائدة في أدبيات الرأسمالية الرقمية. فالمنصات والخوارزميات لا تستخرج الجسد نفسه، بل تستخرج أثره الحركي. إنها تجمع البيانات حول المسارات، والإيقاعات، والعلاقات، وأنماط التنقل. وما يُباع في النهاية ليس صورة الجسد، بل إمكانية التنبؤ بحركته واجتماعيـ(ا)ته.
الملفت أن الاستعمار الاستخراجي والرأسمالية الرقمية لا يكتفيان باستخراج المسارات، بل يعملان على إنتاجهما مسبقاً لتحقيق السيادة. فالسلطة لا تراقب الحركة بعد وقوعها فقط، بل تصنع الظروف التي تجعل أنماطاً معينة من الحركة ممكنة وأنماطاً أخرى مستحيلة. وبذلك يتحول الجسد الفلسطيني، والعربي في سياق انفتاح الإبادة والحرب على مدننا العربية، إلى ما يمكن تسميته «جسداً- مساراً». فهو لا يُعرَّف من خلال هويته البيولوجية أو القانونية فقط، بل من خلال شبكة العبور التي تسمح له أو تمنعه من الوصول إلى العالم، ولو متحركاً. إن الجسد هنا ليس شيئاً موجوداً داخل الجغرافيا، بل هو نفسه علاقة جغرافية متحركة. وعليه؛ لا تعود الحرية مسألة اعتراف أو تمثيل أو ظهور بصري، كما تفترض بعض قراءات الجسد المعاصرة ذات النزعة التنميطية، بل تصبح مسألة حركة. فالسؤال المركزي ليس كيف يُرى الجسد، بل كيف يعبر. ليس كيف يُمثَّل، بل كيف يصل. وليس كيف يُستهلك بصرياً، بل كيف ينتج علاقاته المكانية والجغرافية الخاصة به وكيف تنبني شبكة التماهيات معه.