ورشة أن نكتب فلسطينيًا - رُمّان

توطئة
تهدف هذه الورشة إلى استكشاف الكتابة الصحافية الثقافية بوصفها ممارسة بحثية ومعرفية تتجاوز حدود الأنواع والأجناس السائدة في الصحافة والبحث الأكاديمي. فالكتابة هنا ليست مهنة أو تقنية لغوية، بل أداة وممارسة لفهم العالم من موقعٍ مخصوص، ومن داخل علاقة مع المكان، بوصفه فضاءً سياسيًا وثقافيًا وماديًا تتشكّل فيه التجربة الإنسانية وتُنتج منه المعرفة.
تنطلق الورشة من قناعة بأن الفصل التقليدي بين البحث والكتابة الصحافية هو وجه لإرث الكولونيالية المعرفية التي قسّمت الحقول وقنّنت أدوات التفكير والتعبير وفق منطق الهيمنة ومن يملك حق التصنيف. من هنا، تُقدَّم الكتابة الصحافية الثقافية كممارسة نقدية عابرة ومتداخلة للحقول، تجمع بين التحليل النظري والحسّ الميداني، وبين التجريب الجمالي والصرامة البحثية، والأهم موقعية الكاتبـ/ـة. إنها كتابة تنطلق من التفاصيل اليومية، من الشارع، ومن الذاكرة والملاحظة والتجربة الجسدية، لتعيد التفكير في التاريخ والسياسة والثقافة من أسفل، ومن داخل الحياة نفسها، في مواجهة الكثير من بنى السلطة القمعية تجاه الحياة اليومية بما هي مصادر معرفة ذات إمكان تحرري ونقدي.
تستند الورشة إلى تجربة عملية في الكتابة الثقافية الفلسطينية كما تجلّت في مقالات رمّان، حيث يتجاور النص التحليلي مع السرد والمقال الشخصي والمراجعة الفكرية والقراءة المكانية. في هذا الحقل المفتوح، تتحول الكتابة إلى فعل تحرٍّ تحريضي وتحريري مستمرّ ينطلق من الكتابة والمحو معًا إلى بنية الواقع والعكس، وإلى وسيلة لرصد التحوّلات في الفضاءات الحضرية والاجتماعية، ولتفكيك اللغة التي تُنتج بها السلطة سردياتها حول المكان والهوية والتاريخ.
تمنح الورشة للمشاركين والمشاركات فيها أدوات لقراءة المكان عبر النص، وكتابة النص من خلال المكان: من الشارع والحيّ والمبنى والمشهد اليومي، إلى الفضاءات الرمزية والسياسية التي تصوغ وعينا الجماعي ونصوصه المكتوبة والشفاهية وحتى الممحوة منها. فالمكان هنا ليس خلفيةً للأحداث، بل بنية حية تُنتج الذات والمعنى، وتُشكّل مجالًا للمقاومة والتموضع وإعادة تخيّل العالم.
تسعى الورشة من خلال الممارسة العملية والتدريبية والمواجهاتية مع نماذج من الكتابة والمحو، إلى بناء وعي نقدي بالكتابة بوصفها عملاً في الفضاء العام، ومسؤولية تجاه التاريخ والجسد والمكان. وهي تدعو إلى إنتاج نصوص متعدّدة الطبقات، تتفاعل فيها الجغرافيا مع الأدب، والأنثروبولوجيا مع الصحافة، والنظرية مع التجربة اليومية والمعرفة واللامعرفة. بهذه الروح، تتحول الكتابة الصحافية الثقافية إلى مختبرٍ مفتوح للبحث، وإلى أفقٍ لممارسة فكرية تحررية تراكمية تبدأ من اللغة والمحكي إلى الصمت والمحو، تسائل السائد وتعيد صياغة علاقتنا باللغة وبالعالم، وتكتبه من فلسطين وإليها.
الأجزاء
الجزء الأول
كان الاجتماع تمهيديًا لورشة العمل، التي ركزت على الكتابة عن التجارب والهوية الفلسطينية. وأوضح الكاتب عبد الله بياري أن ورشة العمل ستشمل خمس جلسات سيقوم المشاركون فيها بشكل جماعي بإنتاج كتابة عن الصحافة الثقافية الفلسطينية. تمحورت المناقشة حول مفهوم ما لا يمكن كتابته عن فلسطين، حيث تبادل المشاركون وجهات نظرهم الشخصية حول تحديات التعبير عن التجارب الفلسطينية من خلال اللغة والكتابة. وقدم المشاركون أنفسهم وشاركوا خلفياتهم في الأدب والترجمة والبحث. وأكد الكاتب عبد الله بياري أن الكتابة ستكون أداة للحفاظ على الهوية والثقافة الفلسطينية، وكيف شكلت التأثيرات الاستعمارية إنتاج المعرفة والبحث الأكاديمي حول المنطقة.
الجزء الثاني
ركز هذا اللقاء على الكتابة عن فلسطين، حيث شارك المشاركون في تجاربهم وتحدياتهم من خلال التعبير عن وجهات نظرهم بالكتابة. قام الكاتب عبد الله بياري بتوجيه النقاش، وشجع المشاركين على استكشاف ما لا يمكن كتابته عن فلسطين وكيف يؤثر البعد الجغرافي على كتاباتهم. ناقش المشاركون صعوباتهم الشخصية في الكتابة عن المواضيع الحساسة، حيث أعرب الكثيرون عن شعورهم بالانفصال أو صعوبة العثور على الكلمات المناسبة للتعبير عن تجاربهم. وتبادل المشاركون قصصًا شخصية حول تجاربهم في مواقع مختلفة وكيف شكلت هذه التجارب وجهات نظرهم في الكتابة عن فلسطين. تناولت المحادثة مواضيع الاستعمار واللغة وديناميكيات السلطة وتحديات الكتابة عن الصدمات والفقدان، وأكدت الورشة على أهمية التجارب الفردية في فهم السرديات الجماعية ودور الكتابة كوسيلة للتعبير الشخصي والصحافة الثقافية.
الجزء الثالث
ركز هذا الجزء من الورشة على قراءة ومناقشة النصوص، حيث شارك الحضور تجاربهم في الكتابة عن فلسطين والمواضيع الشخصية. وقاد الكاتب عبد الله بياري الجلسة بشرح التحول من الكتابة إلى القراءة كعمليتين متعاكستين، مؤكدًا أهمية فهم المفاهيم قبل الكتابة عنها. ناقش المشاركون تجاربهم في الكتابة، وأوضح بعضهم كيف أن الكتابة كانت تبدو منفصلة عن واقعهم المعيشي. استكشف الحضور مفاهيم الصمت والكاميرا كأدوات مجازية لتوثيق وفهم تجاربهم، خاصة فيما يتعلق بفلسطين وتحديات الكتابة عن الصدمات والمواقف السياسية. قدم الكاتب عبد الله بياري قراءات من أعمال موريس بلانشوت وحسين البرغوثي، موضحًا كيف أن المأساة والصمت هما موضوعان مترابطان في أعمالهم، واقترح على المشاركين قراءة هذه النصوص لاستخلاص أفكار جديدة لمحتوى الورشة حول المدن وفلسطين.
الجزء الرابع
قاد الكاتب عبد الله بياري في هذا الجزء المشاركين في مناقشات حول نصوص موريس بلانشو وحسين البرغوثي حول المأساة والكتابة. ومن بين المواضيع الرئيسية التي برزت:
- تحدي الكتابة عن المأساة وتأثيرها على الجسم والذاكرة.
- كيفية تأثر الحدود الجسدية والعاطفية بالصدمة والاحتلال.
- العلاقة بين الكتابة الأكاديمية والتجربة الشخصية.
- مفهوم «الفراغ» الذي يظهر في تفاصيل أعمال بلانشوت والبرغوثي.
- دور اللغة في تصوير المأساة عندما تفشل وسائل التعبير التقليدية.
شارك الحضور في التجارب الشخصية والتأملات، حيث ناقش البعض صعوباتهم في قراءة النصوص المعقدة، وتبادل آخرون رؤاهم حول الكتابة خلال فترات الحرب. اختتمت الجلسة بتمرين طُلب فيه من المشاركين الكتابة عن فلسطين، واستكشاف ما لا يمكن كتابته حول الموضوع. خلال النقاش، تناول المشاركون أسئلة حول حدود اللغة في التعبير عن المأساة وكيفية تأثير التجربة الشخصية على قدرة الفرد على الكتابة عن الصدمة الجماعية.
الجزء الخامس
قاد الكاتب عبد الله بياري في هذه الجلسة النقاشات حول مهام القراءة، وخاصة استكشاف الروابط بين النصوص المختلفة، بما في ذلك الأعمال الأدبية والقراءات النظرية لتيري إيجلتون. ناقش المشاركون مواضيع مثل الثنائية والهوية ومفهوم «كتابة ما لا يمكن تصوره» فيما يتعلق بفلسطين والعالم العربي. وتبادلوا ردود أفعالهم على مهام القراءة، حيث ناقش بعضهم الأدب لما بعد الكارثة وتجارب الأدب السجني. اختتمت الجلسة بوضع خطط للمشاركين للعمل على مهامهم الكتابية بشكل مستقل خلال الأسبوع المقبل، مع تخصيص مسودة ليتم مشاركتها ومناقشتها.