البــدايةســيرةالمَنشوراتقَلمعَينقُصاصاتبَصربِناءعُمران
ENالتواصل
عمارة الباخرة - رسم عبدالله بياري
عمارة البرميل - رسم عبدالله بياري
رسم
العودة

عمارة الباخرة والبرميل: من ذاكرة الحداثة المعمارية في الرياض

حبر على ورق · 2026

الموضوعاتالعمارةالذاكرة

في ستينيات القرن الماضي، كانت الرياض تختبر تحولًا عمرانيًا متسارعًا، تنتقل فيه من أنماط البناء التقليدية إلى عمارة حديثة قوامها الخرسانة المسلحة، والتوسع الرأسي، وإعادة تشكيل العلاقة بين المبنى والشارع. وكان حي الملز، الذي بدأ تطويره في الخمسينيات، أحد أبرز ميادين هذا التحول، حيث برز حضور المهندس المعماري المصري سيد كريم، أحد رواد العمارة الحديثة في مصر، إلى جانب شركة المقاولون العرب، ضمن شبكات الخبرة الهندسية والمقاولات التي أسهمت في تشكيل المشهد العمراني الجديد للعاصمة السعودية، بتأثير من القاهرة والوضع السياسي والاجتماعي فيها. وفي هذا السياق ظهرت ”عمارة الباخرة“ عام 1966 في شارع الخزان، و”عمارة البرميل“ في حي الملز خلال الستينيات، بوصفهما تجربتين لافتتين في تاريخ الحداثة المعمارية المبكرة للمدينة التي كانت تبحث عن هويتها.

صورة قديمة لعمارة الباخرة
صورة من الأقمار الصناعية تظهر عمارة الباخرة

شُيّدت عمارة الباخرة على أرض تعود ملكيتها، وفق ما تذكره المصادر التاريخية، إلى الأميرة صيتة بنت سعود بن عبد العزيز، وتولى أعمال المقاولة مصطفى وأحمد حجازي، بينما لا أتمكن من تحديد مصممها المعماري. وتتخذ العمارة شكلًا إسفينيًا يستجيب لهندسة قطعة الأرض المثلثة، حيث تمتد واجهتها الطويلة بإيقاع متكرر من النوافذ والبروزات الخرسانية، قبل أن تنحسر نحو طرفها الضيق، في تكوين يستحضر مقدمة السفينة. وقد احتضنت العمارة مساكن وعيادات طبية، فأصبحت جزءًا من الحياة اليومية للمدينة، والذاكرة البصرية، لا مجرد علامة شكلية في مشهد المدينة العمراني.

صورة حديثة لعمارة الباخرة
صورة حديثة لعمارة الباخرة

أما عمارة البرميل، فتعود إلى مرحلة التوسع العمراني نفسها، وتُنسب أعمال تنفيذها إلى شركة المقاولون العرب المصرية، التي ارتبط اسمها بالمهندس والمقاول عثمان أحمد عثمان. ويتيح حضور سيد كريم في مشاريع الرياض خلال تلك المرحلة وضع العمارة ضمن سياق أوسع من انتقال الأفكار والخبرات المعمارية بين القاهرة والرياض، وإن لم تتوافر أدلة كافية لنسبة تصميم البرميل إليه شخصيًا. تقوم العمارة على كتلة أسطوانية تلتف حولها شرائط أفقية متواصلة، تتخللها فتحات النوافذ، وتتوجها بنية دائرية مفتوحة عند السطح. وبين الامتداد الإسفيني للباخرة والالتفاف الدائري للبرميل، يمكن قراءة محاولتين مختلفتين لاستكشاف إمكانات الشكل الهندسي في العمارة الحديثة، خارج القوالب المستطيلة المألوفة.

ولا تنفصل هاتان التجربتان عن التاريخ الأوسع لتشكّل الحداثة المعمارية في المنطقة. فقد انتقلت إلى الرياض، عبر المعماريين والمهندسين والمقاولين العرب، تقنيات البناء الخرساني ومفردات العمارة الحديثة التي كانت قد اختُبرت في مدن مثل القاهرة والإسكندرية وبغداد. لكن انتقال هذه الخبرات لم يكن مجرد استنساخ لأشكال معمارية جاهزة؛ إذ أعادت ظروف الأرض، ووظائف المباني، وأنماط الاستثمار، والحياة الاجتماعية في الرياض تشكيل تلك المفردات وإنتاج تعبيرات عمرانية خاصة بالمدينة. ومن هذه الزاوية، تصبح سيرة سيد كريم والمقاولون العرب جزءًا من تاريخ أوسع لحركة المعرفة والعمارة بين المدن العربية، لا مجرد أسماء مرتبطة بمرحلة من البناء، أو سلطة معينة.

لكن ما يستحق التأمل في هاذين النموذجين المعماريين يتجاوز تكوينهما المعماري أو هوية الجهات التي شيدتهما. فقد دخلتا الذاكرة الشعبية للمدينة من خلال توجه عماري وعمراني للطبقة الوسطى في منطقة مدينية ساهمت في بناء الحداثة في السعودية، وهو ما يمكن التربص له في العديد من النماذج التصميمية المعمارية والتخطيط الحضري في تلك المناطق التي أعطت مساحات تواصل في المدينة، إنتهت بانتصار الخطاب الديني المتشدد بعد حادثة جهيمان العتيبي في السبعينيات، وأثره على الفضاء الحضري والعمراني.

واليوم، بينما لا تزال عمارة الباخرة حاضرة في المشهد العمراني، اختفت عمارة البرميل بعد هدمها، لتبقى في الصور والذاكرة. وبين البقاء والغياب، تكشف العمارتان جانبًا من تاريخ حداثة الرياض لم تصنعه المشاريع الكبرى وحدها، بل مبانٍ سكنية وتجارية احتضنت تحولات الحياة اليومية، وشهدت على لحظة كانت فيها المدينة تبحث عن أشكال جديدة للسكن والحركة والوجود في المكان. ولعل المفارقة أن ما كان يومًا علامة على المستقبل أصبح اليوم جزءًا من ماضي المدينة، ومن ذاكرتها المعمارية التي تتآكل مع كل مبنى يختفي، وهوية تفرضها السياسات النيوليبراليو الاستهلاكية.

ذات صلة

  • مقال · 28 أيلول/سبتمبر 2026اشتهاء العمارة.. نحو نظرية للإباحية المعمارية
  • ورشة · 22 أيلول/سبتمبر 2026ضد العمارة: العمارة أداة للسلطة والمحو والمقاومةورشة نقدية وتطبيقية تستكشف كيف تتحول العمارة إلى أداة للسلطة والاستعمار والمحو والمقاومة، وتتناول سياسات المكان من خلال الرأسمالية والحرب والبيئة المبنية.
  • مقال · 9 كانون الثاني/يناير 2025في معمارية الاختفاء.. قراءة في التركيبات المعمارية للنظام السوري
تابِع/ي القراءة في الموضوعات
  • العمارة
  • الذاكرة

© 2026 عبد الله بياري

Built & Designed by Mahmoud Hasan

باحث · كاتب · أكاديمي · قيّم فني · جغرافي

معلومات

  • ســيرة
  • التــواصل

المحتوى

  • المَنشورات
  • قَلم
  • عَين
  • الموضوعات

الأنشطة

  • بِناء
  • عُمران
  • قُصاصات
  • بَصر

© 2026 عبد الله بياري

Built & Designed by Mahmoud Hasan