البــدايةســيرةالمَنشوراتقَلمعَينقُصاصاتبَصربِناءعُمران
ENالتواصل
قصاصة ورق
العودة

تأملات في كتاب "أجسام معتمة: في مراقبة السواد" لسيمون براون

3 تشرين الثاني/نوفمبر 2026
الموضوعاتالجسدسياسات المكانالاستعمار

ماذا لو لم يبدأ تاريخ المراقبة الحديثة من السجن أو الكاميرا أو المستشفى أو أجهزة الدولة الحديثة، كما يصر المفكر الفرنسي ميشيل فوكو، وإنما من الجسد؟ وماذا لو كانت الحداثة، التي درجت بعض الأدبيات على ربطها بالعقلانية والتحرر والتقدم التقني، قد طورت بعض أدواتها في المعرفة والتنظيم من خلال تاريخ طويل من إخضاع الأجساد وتصنيفها والتحكم في حركتها؟

في كتابها ”أجسام معتمة: في مراقبة السواد“ (Dark Matters: On the Surveillance of Blackness)، الصادر عام 2015، تعيد سيمون براون التفكير في تاريخ المراقبة من موقع العبودية والعنصرية والاستعمار. لا تسعى إلى إضافة السود إلى سردية المراقبة الحديثة، بل إلى مساءلة الأسس التي قامت عليها هذه السردية. فالمراقبة ممارسة تاريخية ساهمت في إنتاج الاختلاف العنصري وتحديد من يمتلك حق الحركة والظهور والاختفاء، ومن هذه المفارقة تستمد قوتها. تضعنا براون أمام حدود القراءة الفوكوية للسلطة الانضباطية، تلك القراءة ذات المركزية الحداثية حتى لو كانت في نقد الحداثة. فبدلًا من الانطلاق من البانوبتيكون، تعود إلى سفينة العبيد، وسجلات الملكية، ووسم الأجساد، والتشريعات التي نظمت حركة السود في الفضاء الاستعماري. سفينة العبيد هنا لا تحل محل السجن، فليس هذا هو المغزى، بل هي مساءلة لتاريخ الحداثة الذي موضع المؤسسات الأوروبية مركزًا لفهم السلطة، بل وجعل من نقدها، ممارسة أخرى لتقديم مركزيتها المعرفية، بينما ظلت العبودية والاستعمار على هامش تشكلها النظري من ناحية، ومن أخرى تعامينا عن المعارف الصادرة من هذه المواقع، باعتبارها ما قبل حداثية.

هنا تكمن إحدى أهم المساهمات الأساسية للكتاب: أن المراقبة لا تكتفي برؤية الاختلاف، بل تشارك في إنتاجه. فمن خلال مفهوم ”المراقبة العنصرية“ (Racializing Surveillance) تكشف براون كيف تصبح الأجساد السوداء موضوعًا للتصنيف والاشتباه، وكيف تتحول المعرفة بشأنها إلى وسيلة لإدارة حركتها واستغلالها وجعلها مادة كمية. وفي مخطط سفينة العبيد يصبح الجسد وحدة قابلة للقياس والتوزيع داخل فضاء محدود. العنف هنا لا يظهر نقيضًا للعقلانية، بل يعمل من داخلها؛ من خلال الحساب والتنظيم وتحويل الإنسان إلى موضوع للمعرفة والملكية، في سياق عملياتي وعملاني معًا!

مخطط رصّ المستعبَدين على متن السفينة البريطانية "Brookes" كما أوردته سيمون براون ص 46. مصدر الصورة: Wikimedia Commons، الملكية العامة.
مخطط رصّ المستعبَدين على متن السفينة البريطانية "Brookes" كما أوردته سيمون براون ص 46. مصدر الصورة: Wikimedia Commons، الملكية العامة.

تلك علاقة بعيدة عن حاضرنا، إذا تأملنا أمكنتنا ومدننا الحديثة. ففي نيويورك، على سبيل المثال، كشفت أبحاث منظمة العفو الدولية عام 2022 عن تركز أكبر لكاميرات المراقبة المتوافقة مع تقنيات التعرف على الوجوه في الأحياء ذات النسب الأعلى من السكان غير البيض، خصوصًا في أجزاء من برونكس وبروكلين وكوينز. وكانت المناطق الأكثر تعرضًا لهذه البنية التقنية هي أيضًا مناطق شهدت مستويات أعلى من ممارسات الشرطة القائمة على الإيقاف والتفتيش. تثبت هذه العلاقة أن التقنية تنتج العنصرية، لكنها كذلك تكشف كيف يمكن إدخال أدوات جديدة للرؤية في جغرافيا قائمة أصلًا على التمييز.

تبدو المفارقة أكثر فجاجة في قضية روبرت ويليامز، الرجل الأسود الذي اعتقلته شرطة ديترويت عام 2020 بعد خطأ تقني في التعرف على وجهه. لم تكن المشكلة مجرد قصور تقني في مطابقة الصور، بل في انتقال نتيجة خوارزمية غير موثوقة إلى إجراء شرطي مسّ حرية إنسان. هنا يمكن أن نقرأ براون بعيدًا عن التفسير الذي يختزل المشكلة في دقة الخوارزمية: فحتى عندما تتحسن الدقة، يبقى السؤال عن المؤسسات التي تستخدم التقنية، والأجساد التي تتعرض لها، والسلطة التي تمنح المخرجات الرقمية صفة الدليل.

ومن أكثر لحظات الكتاب إثارة للتأمل قراءة براون لقوانين فوانيس الإضاءة في نيويورك الاستعمارية، حين فُرض على السود والمستعبدين، في ظروف معينة، حمل مصدر للضوء أثناء حركتهم ليلًا. لم يكن الضوء هنا وسيلة للتحرر من العتمة، وإنما أداة لإجبار الجسد على الظهور الدائم، أو الوسم بالانكشاف أمام السلطة، والبنية التحتية هنا: الإضاءة، هي وسيط هذا الوسم وعلامته! براون تكشف أن الحق في أن نكون مرئيين يختلف جذريًا عن إجبارنا على الظهور.

تقدم لنا براون مفهوم ”المراقبة المضادة السوداء“ (Dark Sousveillance)، الذي يتناول الممارسات التي طورها السود لمواجهة أنظمة الرؤية ومراوغتها وإعادة توظيفها. وفي حاضرنا، يمكن التفكير في توثيق عنف الشرطة، وفي تسجيلات المواطنين التي جعلت بعض أشكال العنف العنصري مرئية لجمهور أوسع، بوصفها ممارسات تطرح السؤال نفسه: من يمتلك حق إنتاج الصورة وتفسيرها؟ وهنا، لا تكمن إمكانات التحرر في عكس اتجاه النظر وحده، بل في مساءلة العلاقات والمؤسسات التي تجعل بعض الأجساد خاضعة للرؤية والانكشاف المستمريّن.

تتيح هذه الأسئلة إعادة التفكير في المدينة الحديثة، لا بوصفها مجرد إنجاز عمراني للحداثة، بل باعتبارها نموذجًا فكريًا وماديًا لتنظيم المجتمع. فالشارع المستقيم، والساحة المفتوحة، والسجل العقاري، والتقسيم الوظيفي، وشبكات النقل، كلها أدوات تتداخل فيها المعرفة التقنية مع تصورات الدولة ورأس المال عن النظام والإنتاجية والأمن. وهنا نضيف طبقة تالية على اسهامات منظرين بيض مثل: هنري لوفيفر وديفيد هارفي. فبحسبهم؛ المدينة فضاءٌ لإعادة إنتاج العلاقات الاجتماعية والرأسمالية، بينما تضيف براون سؤالًا عن الجسد الذي يستطيع استخدام هذا الفضاء دون أن يتحول حضوره إلى موضوع للاشتباه.

لكن علينا ألا نحول هذه الأمثلة المختلفة إلى تاريخ واحد للمراقبة. فالعنصرية المعادية للسود في الولايات المتحدة، والضبط الأمني للمجال العام في القاهرة، والخصخصة في بيروت، والاستعمار الاستيطاني في فلسطين، ليست ظواهر متطابقة. قيمة براون ليست في محو هذه الفروق، وإنما في منحنا أسئلة تساعد على دراسة الكيفية التي تتداخل بها التصنيفات الاجتماعية مع أدوات الرؤية والتنظيم والسلطة.

ولو مدننا أطروحة براون على استقامتها إلى مدننا العربية، لوجدنا أن المسألة لا تقتصر على كشف علاقات الهيمنة داخل المدينة، بل تمتد إلى مساءلة الأدوات التي ننتج بها المعرفة عنها. فالخريطة التي تُظهر طريقًا متصلًا قد لا تقول شيئًا عن الجسد الممنوع من عبوره، والصورة الجوية التي تحصي المباني المدمرة لا تستطيع وحدها تمثيل العلاقات الاجتماعية والذاكرة التي اختفت معها. ومن هنا يمكن إعادة طرح السؤال على المدينة الحديثة: هل تكمن حريتها في أن تصبح أكثر شفافية وقابلية للإدارة والامتلاك، أم في أن يمتلك سكانها القدرة على إنتاج حياتهم خارج الشروط التي تفرضها عليهم أنظمة المراقبة والملكية والسيطرة؟ لعل المدينة التي ينبغي التفكير فيها ليست تلك التي تستطيع أن ترى كل شيء، بل تلك التي لا يضطر سكانها إلى إثبات حقهم في الوجود كلما خرجوا من بيوتهم.

(وسلام إلى القاهرة وعمان وبيروت وغيرهم!)

— Simone Browne, Duke University Press, 2015

ذات صلة

  • ورقة بحثية · 2025نحو الاحتجاج بالحركة والجوهر على مقولات الهيمنة الاستعمارية المكانية الجغرافيةتنظر هذه المداخلة إلى الأرض والإقليم باعتبارهما أداتين شكّلتا آليات بدائية للتقنيات اللاحقة للانضباط الذاتي وترويض الحركة.
  • مقال · 13 شباط/فبراير 2015عن المقاطعة والتطبيع
  • مقال · 4 آذار/مارس 2024التسليح المواطنيّ: مقاربة جسدانيّةيبحث المقال في التاريخ الأمريكيّ، والتساؤل النقديّ عن مدى موضوعيّة الفصل بين الانتهاكات العفويّة الّتي ترتكبها الجماهير وأفعال القتل التعسّفيّ الّتي ارتكبتها المجموعات المنظّمة.
تابِع/ي القراءة في الموضوعات
  • الجسد
  • سياسات المكان
  • الاستعمار
التالي الحياة التي لا قبل لنا بها: جينيالوجيا المحو السياسي

© 2026 عبد الله بياري

Built & Designed by Mahmoud Hasan

باحث · كاتب · أكاديمي · قيّم فني · جغرافي

معلومات

  • ســيرة
  • التــواصل

المحتوى

  • المَنشورات
  • قَلم
  • عَين
  • الموضوعات

الأنشطة

  • بِناء
  • عُمران
  • قُصاصات
  • بَصر

© 2026 عبد الله بياري

Built & Designed by Mahmoud Hasan