في كتابه الحياة التي لا قبل لنا بها: جينيالوجيا المحو السياسي (ترجمتي المقترحة للعنوان)، يحاول آرثر برادلي تقصّي تاريخ من العنف السيادي لا يكتفي بإخضاع الحياة أو تعريضها للموت، بل يتجاوز ذلك إلى نفي إمكان وجودها ابتداءً. فالسيادة هنا لا تقرر من يعيش ومن يموت فحسب، وإنما من كان موجودًا أصلًا، ومن يُسمح له بأن يترك أثرًا في التاريخ. بهذا المعنى، يوسّع برادلي سؤال الاستثناء عند كارل شميت، ويذهب أبعد من "الحياة العارية" عند أغامبن، نحو ما يسميه "سياسات العدم"؛ حيث لا يعود القتل غاية السلطة الوحيدة، بل يغدو محو شروط الاعتراف بالحياة والموت والتاريخ جزءًا من بنيتها.
غير أن قراءة هذه الجينيالوجيا من موقعية فلسطينية عربية، وفي لحظة الإبادة المستمرة في فلسطين ولبنان، تضعنا أمام ضرورة مساءلة حدود اللاهوت السياسي الأوروبي نفسه، لا الاكتفاء باستعارة مفاهيمه لتفسير التجربة الاستعمارية. فما يجري في فلسطين لا يمكن اختزاله في قرار سيادي يجعل الحياة غير مرئية، أو في حالة استثناء تُعلّق فيها القوانين؛ إذ إن الاستثناء، في السياق الاستعماري، ليس انقطاعًا عن القاعدة بقدر ما هو أحد شروط إنتاجها واستمرارها. هنا تبدو العودة إلى أشيل مبيمبي، وخصوصًا في كتابه الوحشية، ضرورية لفهم انتقال العنف من السيطرة على الأجساد إلى إعادة تشكيل العالم المادي نفسه، بما فيه الأرض والعمران والبنية التحتية وشروط الحركة والسكن وإعادة الإنتاج الاجتماعي. فالإبادة لا تستهدف الفلسطيني بوصفه جسدًا قابلًا للقتل وحسب، بل تستهدف العالم الذي يجعل وجوده ممكنًا، ماضيًا وحاضرًا ومستقبلًا.
وربما تكمن إحدى إشكاليات مقاربة برادلي في أن مركزية القرار السيادي، حتى في محاولته تجاوز أغامبن، تُبقي المستعمَر أسيرًا للعلاقة التي تنتجها السلطة بين الوجود والعدم، وكأن تاريخ الفلسطيني يبدأ من لحظة نفيه، أو كأن حضوره السياسي لا يتحقق إلا من خلال مقاومة المحو. والحال أن فلسطين ليست مجرد جغرافيا تتعرض للإزالة، ولا الفلسطيني مجرد حياة تسعى إلى انتزاع الاعتراف بوجودها. ثمة تاريخ مادي واجتماعي من إنتاج المكان والحياة والعلاقات، سابق على المشروع الاستعماري ومستمر في مواجهته، لا يمكن ردّه إلى ثنائية السيادة والاستثناء.
من هنا، أجد أن القيمة النقدية للكتاب لا تكمن في قدرته على تفسير الإبادة في فلسطين تفسيرًا مكتملًا، بل في الأسئلة التي يتيح لنا إعادة صياغتها من خارج جينيالوجيته. فالسؤال ليس فقط كيف تستطيع السيادة أن تجعل حياةً ما كأنها لم تكن، وإنما كيف يتحول محو المكان والعمران والذاكرة وشروط الحركة إلى ممارسة تأسيسية في المشروع الاستعماري، وكيف يمكن التفكير في الحياة الفلسطينية لا باعتبارها مجرد ما يتبقى بعد التدمير، بل بوصفها ممارسة تاريخية ومكانية وسياسية لإنتاج عالم يسعى الاستعمار إلى استحالة استمراره.